عُمان

صحار: بوابة العالم البحرية عبر العصور.. منارة تاريخية وحاضر مزدهر

الرؤية٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦ في ١١:٤٤ ص0 مشاهدة
صحار: بوابة العالم البحرية عبر العصور.. منارة تاريخية وحاضر مزدهر

تنويه

هذا الخبر بعنوان "صحار.. دهليز الملاحة البحرية العالمية قديماً وحديثاً | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تشرق شمس عُمان على مدينة صحار، التي لم تكن مجرد ساحل عابر، بل كانت مركزاً حيوياً للتجارة والملاحة العالمية عبر العصور. تُعد صحار أقدم مدن عُمان وأكثرها ازدهاراً، حيث امتدت عظمتها لتكون "الخزانة الكبرى" و"الدهليز الحيوي" الذي اجتمعت فيه تجارة الممرات البحرية العالمية.

تذكر المعاجم اللغوية والجغرافية، مثل معجم "البلدان" لياقوت الحموي، أن اسم صحار يعود إلى صَحار بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام. ووصفها الحموي بأنها "قصبة عُمان مِمّا يلي الجبل، مدينة طيبة الهواء والخيرات، وهي أرخص بلاد الله فواكه وسغباً، ولها نهر جارٍ وعيون عذبة". ويربط الفيروزآبادي في "القاموس المحيط" اسم صحار بالمادة الاشتقاقية (ص ح ر)، وبالمعنى اللغوي "الصُّحْرة" الذي يعني الحمرة الخفيفة أو الأرض الواسعة المستوية.

تؤكد سجلات الجغرافيا الكلاسيكية ووثائق الإغريق والبحارة الأوائل على مركزية صحار؛ فقد وثّق الجغرافي الإغريقي بطليموس في كتابه "الجغرافيا" والمؤرخ بلينيوس الأكبر في موسوعته "التاريخ الطبيعي" أهمية هذا الكيان، وأطلقوا على البحر المقابل لها اسم "بحر أومانا" (Omana Sea)، محددين صحار كـ "دهليز الملاحة العالمي". كما أشارت المخطوطة اليونانية "الطواف حول البحر الإريتري" (Periplus) إلى الموانئ العُمانية كمحاور لوجستية هامة.

في السجل الإسلامي، كانت صحار "بوابة الدنيا" و"قصبة بلاد العرب". ووصفها الجغرافي المقدسي في (أحسن التقاسيم) بأنها "ليس على بحر الصين بلدٌ أجلَّ منها.. دهليز الصين، وخزانة الشرق والعراق، ومغوثة اليمن". وأكد المؤرخ الأصطخري ريادتها كأعمر مدينة على البحر وساحل فارس وجميع بلاد الإسلام، مشيراً إلى تحولها منذ القرن الثالث الهجري إلى المركز الأهم للملاحة التي تطوع الرياح الموسمية، وتحميها أساطيل عُمانية بقيادة أئمة مثل الجلندى بن مسعود وغسان بن عبد الله.

لم تكن هذه الهيمنة الجيوسياسية ممكنة لولا "عقيدتها الملاحية والفلكية" الراسخة، المدونة في سجلات أعلام البحار مثل أسد البحار أحمد بن ماجد النجدي في مخطوطته "الفوائد في أصول علم البحر والقواعد"، ورفيقه سليمان بن أحمد المهري في "العمدة المهرية". فقد قسمت العقلية الصَحارية حركة الموج والمنعطفات البحرية المؤدية إلى الهند والشرق الأقصى وفق حسابات دقيقة.

إن اختزال تاريخ صحار في مجرد ميناء تجاري هو ظلم معرفي؛ فهي لم تكن دهليزاً عابراً، بل منهجاً سيادياً وعقيدة ملاحية متكاملة. وفي الخرائط الحديثة، غالباً ما تُختزل الموانئ كنقاط جغرافية، مما يغيب العمق الجيوسياسي لصحار وعُمان. فصحار لم تكن مجرد رصيف، بل كانت عاصمة سياسية ومحوراً يمسك بزمام الممرات البحرية العالمية.

واليوم، يتصل هذا المجد التليد بحاضر مشرق عبر "ميناء صحار الصناعي الحديث" ومنطقته الحرة. هذا العملاق اللوجستي المعاصر هو امتداد للعقلية التنظيمية القديمة، ليقف الميناء بوابة عالمية ومنصة رقمية تعزز كفاءة القطاع البحري، رابطاً خطوط التجارة من الشرق إلى الغرب، وشاهداً على أن صحار كانت ولا تزال الطود الأشم وصمام الأمان البحري.

خلاصة القول، ستبقى صحار قديماً وحديثاً برهاناً على أن حماية السيادة الوطنية والريادة الاقتصادية تبدأ من امتلاك الأسطول، وصياغة القانون البحري، والقبض على مفاتيح الموج العالمي. ويُنطق العُمانيون اسم المدينة "صَحارَ"، بتنوين على الراء، وليس بالضم.

شارك الخبر: