عُمان

صحار: بوابة العالم البحرية عبر العصور ومحور السيادة العمانية

الرؤية٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦ في ١٠:٥٤ ص0 مشاهدة
صحار: بوابة العالم البحرية عبر العصور ومحور السيادة العمانية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "صَحار: دهليز الملاحة البحرية العالمية قديماً وحديثاً | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تشرق الشمس على مدينة صحار العمانية، لتكشف عن تاريخ عريق وجمال فريد. لم تكن صحار مجرد ساحل، بل كانت مركزاً حيوياً للتجارة والملاحة العالمية عبر العصور. تُعد صحار أقدم مدن عُمان وأكثرها ثراءً، حيث امتدت عظمتها لتصبح "الخزانة الكبرى" و"الدهليز الحيوي" الذي استقبل تجارة الممرات البحرية العالمية.

تذكر المعاجم اللغوية والجغرافية اسم صحار في معجم "البلدان" لياقوت الحموي، الذي أشار إلى تسميتها نسبة إلى صَحار بن إرم بن سام بن نوح. ووصفها الحموي بأنها "قصبة عُمان مِمّا يلي الجبل، مدينة طيبة الهواء والخيرات، وهي أرخص بلاد الله فواكه وسغباً، ولها نهر جارٍ وعيون عذبة". أما الفيروزآبادي في "القاموس المحيط" فيربط اسم صحار بالمادة الاشتقاقية (ص ح ر)، ويربط الاسم لغوياً بـ "الصُّحْرة" التي تعني الحُمرة الخفيفة أو الأرض الواسعة المستوية.

تؤكد سجلات الجغرافيا الكلاسيكية ووثائق الإغريق والبحارة الأوائل على مركزية صحار. فقد وثّق الجغرافي الإغريقي بطليموس في كتابه "الجغرافيا" والمؤرخ بلينيوس الأكبر في موسوعته "التاريخ الطبيعي" أهمية المدينة، وأطلقوا على البحر المقابل لها اسم "بحر أومانا" (Omana Sea)، محددين صحار كـ "دهليز الملاحة العالمي" الذي يلتقي عند ركيزة مائية تمتد من بحر إيجه والبحر الأسود والبحر الأحمر وبحر الهند الغربي.

كما أشارت المخطوطة اليونانية "الطواف حول البحر الإريتري" (Periplus) إلى الموانئ العُمانية كمحاور ارتكاز لوجستية ومنافذ سيادية تنظم حركة البحر العميق، مما يبرهن على أن البحر الشرقي العميق هو محيطٌ عُمانيٌ مفتوحٌ.

تكامل هذا العمق المادي مع السجل الإسلامي، حيث أصبحت صحار "بوابة الدنيا" و"قصبة بلاد العرب". قال الجغرافي المقدسي في (أحسن التقاسيم): "صَحار.. ليس على بحر الصين بلدٌ أجلَّ منها.. دهليز الصين، وخزانة الشرق والعراق، ومغوثة اليمن". وأكد المؤرخ الأصطخري ريادتها بأنها أعمر مدينة على البحر وساحل فارس وجميع بلاد الإسلام. منذ القرن الثالث الهجري، أصبحت صحار المركز الأهم للملاحة التي تطوع الرياح الموسمية، وحماها أسطولٌ عُمانيٌ بقيادة الأئمة العظام كالإمام الجلندى بن مسعود والإمام غسان بن عبد الله لقمع القرصنة وحماية هيبة الدولة.

لم تكن هيمنة صحار الجيوسياسية لتتحقق لولا رسوخ "عقيدتها الملاحية والفلكية" المدونة في وثائق أعلام البحار العمانيين، مثل أسد البحار أحمد بن ماجد النجدي في مخطوطته "الفوائد في أصول علم البحر والقواعد"، ورفيقه سليمان بن أحمد المهري في "العمدة المهرية". فقد قسمت العقلية الصحارية حركة الموج والمنعطفات البحرية المؤدية إلى الهند والشرق الأقصى وفق حسابات دقيقة وقياس نجمي صارم، مما حمى المنطقة من الأطماع الخارجية لقرون.

إن اختزال تاريخ صحار في مجرد ميناء تجاري هو ظلم معرفي؛ فصحار لم تكن دهليزاً عابراً، بل كانت منهجاً سيادياً وعقيدة ملاحية متكاملة صنعتها تضاريس "بحر أومانا (عُمانا)". الخرائط الحديثة غالباً ما ترسم الموانئ كنقاط جغرافية صامتة، وهذا يغيب العمق الجيوسياسي لصحار وعُمان. لم تكن صحار مجرد رصيف للسفن، بل كانت عاصمة سياسية ومحور ارتكاز يمسك بزمام ممرات بحرية عالمية.

اليوم، يتصل هذا المجد التليد بحاضر مشرق في "ميناء صحار الصناعي الحديث" ومنطقته الحرة. هذا العملاق اللوجستي المعاصر هو امتداد للعقلية التنظيمية القديمة، ليقف الميناء بوابة عالمية ومنصة رقمية تعزز كفاءة القطاع البحري، رابطاً خطوط التجارة من الشرق إلى الغرب، وشاهداً على أن صحار كانت ولا تزال الطود الأشم وصمام الأمان البحري عبر التاريخ.

خلاصة القول: تبقى صحار قديماً وحديثاً برهاناً على أن حماية السيادة الوطنية والريادة الاقتصادية تبدأ من امتلاك الأسطول، وصياغة القانون البحري، والقبض على مفاتيح الموج العالمي. ونؤكد أن العمانيين ينطقونها "صَحارَ"، وليس "صُحار"، مما يعكس هوية لسانية مميزة.

شارك الخبر: