من الصين إلى عُمان: كيف تحول الريف الصيني إلى مختبر للتنمية الرقمية والاقتصادية؟


هذا الخبر بعنوان "من الصين إلى عُمان (3-8) | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تستعرض هذه السلسلة، في جزئها الثالث من ثمانية أجزاء، تجربة الصين في تحويل ريفها إلى مختبر للتنمية، مستكشفةً كيف تجاوزت البلاد الاعتماد على بكين في الإدارة لتتبنى نموذجًا يعتمد على المرونة المحلية. لم تقتصر التحولات في الريف الصيني على البنية التحتية والخدمات، بل امتدت لإعادة تعريف الوظيفة الاقتصادية للقرية، حيث انتقلت من الزراعة التقليدية إلى أنشطة إنتاجية متنوعة، واندماجت في شبكات صناعية وتجارية ورقمية عالمية. يوضح هذا التحول العلاقة بين الإدارة المحلية والموارد الاقتصادية وقدرة المجتمعات الريفية على خلق فرصها التنموية.
في المقال السابق، تم تناول مفهوم "التجريب تحت الهرمية" كإطار لفهم اختبار السياسات محليًا في النظام الإداري الصيني. يبرز هذا المقال أن قيمة هذا المنهج لا تكمن في تحسين الإدارة فحسب، بل في التحولات الاقتصادية والاجتماعية المترتبة عليه. لذلك، يصبح فهم الريف ضروريًا لملاحظة العلاقة المباشرة بين السياسات العامة وفرص العمل والدخل وحركة السكان واستدامة النشاط الاقتصادي.
بالعودة إلى بدايات الإصلاح الاقتصادي الصيني في أواخر السبعينيات، بدأت الدولة بمراجعة آليات إدارة الإنتاج الزراعي وتطبيق نظام مسؤولية الأسرة الزراعية، مما منح الأسر مساحة أكبر في تنظيم إنتاجها. ساهم ذلك في تحسين الحوافز الإنتاجية، لكنه كشف عن تحدٍ أوسع؛ فالإنتاج الزراعي وحده لا يكفي لاستيعاب التحولات السكانية وتوفير فرص عمل متنوعة، خاصة مع اتساع الفجوة بين الاقتصاد الحديث والأنشطة التقليدية.
في هذا السياق، برزت "المؤسسات الصناعية في البلدات والقرى" (Township and Village Enterprises) كظاهرة مهمة. ساهمت هذه المؤسسات في توسيع النشاط الاقتصادي غير الزراعي ووفرت فرص عمل في الصناعات التحويلية والخدمات. لم تكن أهميتها مقتصرة على حجم الإنتاج، بل في إعادة تعريف العلاقة بين الريف والصناعة، وإظهار أن النشاط الصناعي لا يشترط الانتقال الكامل إلى المدن.
لم يكن نشوء هذه المؤسسات نتيجة للامركزية الإدارية وحدها، بل تداخلت فيه إصلاحات السوق والحوافز الاقتصادية والتحولات في الملكية والإدارة، بالإضافة إلى دور الحكومات المحلية. تفاوتت نتائجها بين الأقاليم، وواجهت تحديات تتعلق بالكفاءة والمنافسة. قدمت التجربة درسًا مهمًا بأن الريف يمكن أن يصبح مجالًا لتنوع الأنشطة الاقتصادية.
مع توسع البنية التحتية وشبكات النقل والاتصالات، اتخذ التحول أبعادًا جديدة. لم تعد الفرص الاقتصادية الريفية مرتبطة فقط بالقرب من المصانع، بل بقدرتها على الوصول إلى المستهلكين وسلاسل التوريد والمنصات الرقمية. ظهر نموذج "قرى تاوباو"، حيث نشأ نشاط تجاري إلكتروني كثيف ارتبط باستخدام المنصات الرقمية لبيع المنتجات والوصول إلى أسواق أوسع. ارتفع عدد قرى تاوباو من عشرين قرية عام 2013 إلى أكثر من 3 آلاف قرية عام 2018.
تكمن أهمية هذه التجربة في التحول الذي طرأ على العلاقة بين المنتج الريفي والسوق. أصبح بإمكان المشروعات الصغيرة الوصول إلى المستهلكين خارج نطاقها الجغرافي، وتطورت خدمات مرتبطة بالتعبئة والتغليف والنقل والتسويق. أصبحت التجارة الإلكترونية أساسًا لتكوين منظومة اقتصادية محلية تضم أنشطة إنتاجية وخدمية مترابطة.
لم تكن التكنولوجيا العامل الوحيد للنجاح. ارتبط نجاح التجمعات الريفية الرقمية بتوافر شبكات النقل والخدمات اللوجستية والمهارات التجارية والقدرة على تطوير المنتجات. لعبت البيئة المؤسسية المحلية دورًا في توفير التدريب وتسهيل الأعمال. الاقتصاد الرقمي لا يلغي أهمية البنية المادية والمؤسسات المحلية، بل يعيد تشكيل العلاقة بينها.
تطرح مسألة "القرية المنتجة" جوهرية؛ لا يكفي أن تحتضن القرية نشاطًا اقتصاديًا ناجحًا لتصبح اقتصادًا محليًا مستدامًا. يجب أن يُحكم على نجاح التنمية الريفية بطبيعة القيمة التي تبقى داخل المجتمع المحلي، ومدى قدرة النشاط الاقتصادي على خلق وظائف مستقرة وتنمية المهارات وتوليد استثمارات جديدة. الفرق بين وجود الإنتاج ونشوء اقتصاد محلي حوله يكمن في تكامل الموارد البشرية والمشروعات والخدمات والأسواق.
تقدم التجربة الصينية تصورًا مختلفًا عن مقاربات التنمية الريفية التقليدية. البنية التحتية شرط ضروري، لكن التحول الأعمق يحدث عندما تتكامل الاستثمارات في الخدمات والبنية التحتية مع نشاط إنتاجي قادر على توليد الدخل وتوسيع الفرص. الاستدامة لا تتحقق بزيادة الإنتاج وحدها إذا كان ذلك يؤدي إلى استنزاف الموارد. القرية المنتجة هي تلك التي تستطيع المحافظة على قدرتها الإنتاجية وتحسين مستوى معيشة سكانها من دون استنزاف مقومات مستقبلها.
تنوعت التجارب الريفية الصينية بين تخصصات صناعية، تجارية، سياحة ريفية، زراعة متخصصة، وصناعات غذائية وحرفية. نجاح كل نموذج ارتبط بالموقع والموارد والبنية التحتية والمهارات والقرب من الأسواق. القيمة الأهم لهذه التجارب هي تأكيد أن التنمية الريفية يمكن أن تتخذ مسارات متعددة، وأن تحديد المسار المناسب يبدأ من فهم خصائص المكان.
تتكامل القرية المنتجة مع فكرة التجريب المحلي. القرية مجال لاكتشاف نشاط اقتصادي يرتبط بمواردها وقدرات سكانها. يتطلب هذا وجود علاقة تكامل بين مستويات الإدارة المختلفة؛ فالقرية لا تستطيع دائمًا توفير البنية الأساسية أو الخدمات اللوجستية بصورة مستقلة. دور المحافظة أو المدينة القريبة حاسم في ربط القرى بسلاسل القيمة وتوفير البيئة التنظيمية.
القرية المنتجة جزء من منظومة تنموية أوسع تتوزع فيها الأدوار بين القرية والبلدة والمحافظة والمدينة. تتخصص قرية في إنتاج سلعة، بينما تتوافر خدمات التصنيع أو التسويق في مركز قريب. قوة القرية لا تتحدد بحجمها، بل بموقعها داخل شبكة اقتصادية تسمح لها بالاستفادة من مواردها والمشاركة في خلق القيمة.
تكتسب هذه الفكرة أهمية في السياق العُماني، حيث تتوزع القرى على بيئات جغرافية واقتصادية متنوعة. لا يمكن التعامل مع هذا التنوع بتصور واحد للتنمية الريفية. السؤال هو كيفية تحويل هذا التنوع إلى فرص اقتصادية قابلة للدراسة والتطوير. يبدأ التفكير التنموي بتحليل موارد القرية ومهارات سكانها وعلاقتها بالأسواق والبنية الأساسية المحيطة بها.
لا يقتصر دور الإدارة المحلية على توفير التمويل، بل يمتد لبناء البيئة التي تسمح للمجتمع بالمشاركة في النشاط الاقتصادي. الاستدامة تتطلب أن يكون السكان جزءًا من عملية الإنتاج والاستثمار واتخاذ القرارات. نجاح أي مبادرة يُقاس بقدرتها على خلق قيمة اقتصادية واجتماعية مستمرة.
يظهر فرق مهم بين التنمية التي تصل إلى القرية والتنمية التي تنشأ من داخلها. في الحالة الأولى، المجتمع المحلي متلقٍ؛ أما في الثانية، فيصبح شريكًا في تحديد الفرص واستثمار الموارد وإنتاج القيمة. هذا لا يعني تراجع مسؤولية الدولة، بل تطوير العلاقة بين الاستثمار العام والمبادرة المحلية.
بناء اقتصاد ريفي منتج يطرح تحديًا يتعلق بالإنسان الذي يقود هذا التحول. تظل القرية معرضة لفقدان قدرتها على النمو إذا استمر شبابها في مغادرتها. الاستدامة الريفية تعني أن المكان يصبح منتجًا عندما يستطيع تحويل نشاطه الاقتصادي إلى فرص معيشية ومهنية تجعل الاستقرار فيه خيارًا ممكنًا وجاذبًا.
كشفت التجارب الصينية أن التحول الريفي يمكن أن يتخذ اتجاهًا معاكسًا للهجرة التقليدية من القرى إلى المدن، عندما تتوافر أنشطة اقتصادية جديدة ومساحات لريادة الأعمال. العودة إلى القرية قد تعني نقل المعرفة والمهارات والاستثمارات إلى بيئة محلية أصبحت أكثر قدرة على استيعابها.
السؤال الأهم: كيف يمكن تحويل القرية إلى مكان يرغب الإنسان في بناء مستقبله فيه؟ نجاح التنمية الريفية لا يُقاس فقط بما تنتجه، بل بقدرتها على الاحتفاظ بالطاقات البشرية واستقطاب المهارات وخلق فرص تتيح للأجيال الجديدة المشاركة في تطوير مجتمعاتها. القرية التي تستطيع أن تجعل أبناءها يعودون إليها ويستثمرون مستقبلهم فيها، تكون قد اقتربت من المعنى الأعمق للتنمية المستدامة.
هذه السلسلة الفكرية والتحليلية، المكونة من 8 مقالات أسبوعية، تتناول التجربة الصينية في الإدارة المحلية والتنمية الريفية، وتبحث في إمكانات الاستفادة من مناهجها لبناء نموذج تنموي ينطلق من خصوصية المحافظات والولايات والقرى العُمانية.
اقتصاد
اقتصاد
سياسة