عُمان
ثقافة

نقد التاريخ: تمرد على المسلّمات أم تحرر من الخوف؟ رحلة فكرية في رحاب المعرفة

الرؤية١٩ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٤:٢٠ م0 مشاهدة
نقد التاريخ: تمرد على المسلّمات أم تحرر من الخوف؟ رحلة فكرية في رحاب المعرفة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "هل نقد التاريخ تمردٌ على الثوابت والمسلّمات أم تحررٌ من الخوف؟ | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بدأتُ دراستي للتاريخ في كلية التربية بجامعة الكويت عام 1996، وكان بعض أساتذتي يطرحون فكرة مفادها أن التاريخ ليس حقيقة مطلقة، وأن ما دونه المؤرخون قابل للمراجعة والنقاش. طُلب منا، كطلاب للعلم، ألا نكتفي بحفظ المرويات التاريخية، بل أن نخضعها للنقد والتمحيص. بدا هذا الأمر صعبًا وقاسيًا بالنسبة لي، فقد كنت خائفة ومترددة، إذ لم أعتده من قبل. تساءلت في نفسي: ما الذي أملكه من علم وتأهيل لمراجعة ما دونه علماء ومؤرخون أفنوا أعمارهم في طلب العلم؟ أليس من الواجب احترامهم وتقدير علمهم؟ ألا ينبغي أن أقف موقف المتلقية الشاكرة لفضلهم؟ وكيف لي أن أجرؤ على إبداء التحفظ تجاه مرويات تناقلتها الأجيال واستقرت في أذهاننا كحقائق ومعتقدات؟ أليس ذلك تمردًا على الثوابت والمسلّمات؟

كان الصراع داخليًا شديدًا، ممزقة بين احترامي لما أقرأه في مقرراتي الدراسية والمصادر التاريخية، وبين ما تعلمته عن ضرورة قراءة التاريخ قراءة نقدية واعية. نشأت في بيئة محافظة، وانتميت إلى أسرة عُرف عدد من أعلامها بالعلم والفقه، مما رسّخ في داخلي تقديرًا كبيرًا للعلماء والمؤرخين وثقة بعلمهم. فهل من الحكمة أن أنقد مدوناتهم؟ وهل من المقبول أن أناقش أقوالهم وآراءهم؟ أليست الحكمة تقتضي التعامل مع كل ذلك كحقائق ثابتة؟

كان مجرد التفكير في نقد التاريخ أمرًا جسيمًا، يثير في نفسي شعورًا بالخطيئة والجحود، وخوفًا من الخروج عما ألفناه وتوارثناه. لم يكن ترددي نابعًا من رهبة النقد والشعور بعدم الكفاءة فحسب، بل ارتبط أيضًا بإجلالي لعلماء بلدي وتقديري لإرثهم العلمي. وازداد هذا الشعور لارتباطي العائلي ببعض العلماء الأجلاء، مثل جدي الشيخ ناصر بن راشد الخروصي، وأخيه الإمام الرضي سالم بن راشد الخروصي. خشيت أن يُفهم تقبلي لمبدأ نقد التاريخ على أنه تمرد أو انتقاص من علمائنا أو جحود لما أسهموا به.

حتى جاءت بداية التحول والانطلاقة الحقيقية في نظرتي إلى التاريخ قبيل تخرجي من الجامعة. استمعت إلى حديث جلالة السلطان قابوس - طيب الله ثراه - لأبنائه بجامعة السلطان قابوس عام 2000م. كان جلالته قدوتي ومثلي الأعلى، وأثق بحكمته وبصيرته. قال جلالته في هذا الحديث: "التاريخ الذي كُتب منذ قرون مضت أحيانًا فيه الكثير من التهويل والكثير من التحريف والكثير مما هو كُتب بأهواء أكانت أهواء سياسية أو أهواء أخرى". وأضاف: "تناقضات كبيرة في التاريخ، ولذلك أيضًا التاريخ يحتاج إلى نظرة. عندما نقرأ التاريخ لا نقرأه بعلاته، نتدبر ونتفكر ونعود بأفكارنا إلى الزمن خلال ذلك الزمن". وشدد جلالته: "مصادرة الفكر والتدبر والاجتهاد هذه من أكبر الكبائر. ونحن لن نسمح لأحد أن يصادر الفكر أبدًا، من أي فئة كانت".

أدركت من هذا النطق السامي أنه بالرغم من وجوب احترام المؤرخين وتقدير جهودهم، إلا أنه لا يعني التسليم بكل ما كتبوه. فهم بشر مثلنا اجتهدوا في نقل ما وصل إليهم من علم، وبذلوا جهدًا عظيمًا في الاقتراب من الحقيقة. وقد تتأثر كتاباتهم باجتهادهم وفهمهم ومصالحهم وخلفياتهم الفكرية، والأفكار السائدة في عصرهم. وبالتالي فإن ما تم تدوينه ليس بالضرورة صورة مكتملة عمّا حدث، وقد تشوبه المبالغة أو التحريف عمدًا أو سهوًا. كما أن ظهور أدلة جديدة قد يقلب فهمنا لروايات ظللنا نعدها حقائق.

فهمت من تشبيه جلالة السلطان لمن يرددون ما يقرؤونه بـ "الببغاء"، أنه يهدف إلى تقريب الفكرة إلى أذهان الطلبة، والتنبيه إلى خطورة أن يتحول طالب العلم إلى مجرد ناقل يكرّر ما يسمعه دون تفكّر. وفي ذلك دعوة لأبنائه الطلبة كي لا يتخلّوا عن حقهم في إعمال عقلهم وتدبرهم.

استوقفتني كلمات جلالته الحكيمة، وأنا على أعتاب التخرج لأكون معلمة للتاريخ، لتنبهني إلى مسؤوليتي في التعامل مع التاريخ ومروياته، وعظم الدور الذي سأؤديه في تربية الأجيال وتشكيل وعيها. لأول مرة، وبفضل جلالته، استوعبت أن إجلال العلماء والمؤرخين وتقدير عطائهم لا يستلزم تعطيل العقل، ولا التسليم المطلق بكل ما دوّنوه. لا شك أنهم أصابوا في كثير مما كتبوا، غير أن بعض ما دوّنوه قد يحتاج إلى شيء من التدقيق والمراجعة.

في خضم ذلك الصراع الداخلي، استوقفتني الحكمة الشهيرة للإمام الشافعي: "قولي صوابٌ يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب". وجدت في هذه العبارة قمة التواضع العلمي، وأزاحت جانبًا كبيرًا مما تبقّى في داخلي من تردد وحيرة. ازدادت قناعتي بأن مناقشة ما دوّنه العلماء والمؤرخون لا تنتقص من جهودهم، بل تمثّل سعيًا للتحقق مما نقلوه، والوصول إلى الحقيقة.

في عام 2014م، شاركت في تمرين قصير بجامعة باريس-8 بفرنسا، يُبين كيف تُحرّف المعلومات وتتحوّل إلى شائعات أثناء انتقالها بين الأفراد. انتقلت معلومة من شخص لآخر، وعندما كُشف عنها في النهاية، اتضح أن بعض تفاصيلها قد تغيرت، وتبدلت بعض كلماتها، وحتى معناها ومضمونها لم يسلم من الاختلاف. تعلّمت أن المعلومة المنقولة ليست بحاجة إلى سنوات أو أجيال لتتغير، وأن الإنسان، مهما بلغت أمانته، فإنه لا ينقل إلا ما يفهمه وما يستوعبه ويتذكره. قد تسقط من ذاكرته بعض التفاصيل الأصلية، أو تختلط بتفاصيل أخرى، أو يضيف إليها شيئًا يظنه جزءًا منها، أو يعيد صياغتها لتصبح أكثر جاذبية. وقد يحدث كل ذلك من دون قصد منه.

ذكّرتني نتيجة هذا التمرين بمقولة لإدجار آلان بو: "لا تصدّق شيئًا مما تسمع، وصدّق نصف ما تراه فقط". عززت هذه العبارة قناعتي بأن ما نقرأه وما نسمعه وما نراه قد يكون صحيحًا، ولكن ليس بالضرورة مطابقًا للواقع في جميع تفاصيله. فالشخص الذي نسمع روايته ربما لم يرَ المشهد كاملًا، أو لم يُدرك جميع أبعاده. ونحن حينما ننظر إلى شيء ما، فقد نكون كمن ينظر إليه من زاوية واحدة. ومن هنا، ازدادت قناعتي بأن الشك القائم على البحث والتحقق والتدقيق قد يكون بداية الوصول إلى اليقين. غير أن هذا الشك ينبغي أن يظل متوازنًا.

اتجهتُ إلى القرآن الكريم، لأجعله الميزان الذي أحتكم إليه. فوجدتُ الله عز وجل يأمر بالتبيّن عند تلقي الأنباء، إذ قال: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ ]الحجرات: ٦[، وحذّر جلّ جلاله من اتّباع الظن، حيث قال: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨]. كما نهى عن اتّباع ما لا يقوم على علم، فقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]. ثم تأملت الآيات الكريمة التي تعرض موقف الإنسان حين يتمسك بما ورثه عن أسلافه، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ ]لقمان: ٢١[، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ ]الزخرف: ٢٢[.

نظرتي النقدية إلى التاريخ رافقتني طوال عشر سنوات من عملي في تدريس مادة التاريخ، بدءًا من عام 2000م. انعكست هذه النظرة على أسلوبي في التدريس. لم أكن أريد لطالباتي أن يكتفين بحفظ المادة، بل كنت أحثهن على قراءة التاريخ بتأمل، والتساؤل حول ما يقرأنه، وفهم الأحداث. كنت أوضح لهن أن الدرجة قد تكون غاية تنتهي بانتهاء الامتحان، أما المعرفة الحقيقية فتبقى معهن.

دراستي للماجستير في القيادة التربوية، التي تخرجت فيها عام 2025م، منحت هذا الاهتمام بُعدًا أعمق. اطلعت عن كثب على مناهج البحث العلمي وأساليبه وأدواته. حملت رسالتي عنوان "نهج السلطان قابوس في قيادة التغيير في سلطنة عُمان: دراسة سردية تحليلية". رغبت في أن أردّ جزءًا يسيرًا من أفضاله التي لا تُعد ولا تُحصى. أتاحت لي هذه الدراسة آفاقًا أوسع في القراءة والتحليل، والاطلاع على معظم الوثائق والمؤلفات والروايات التي تناولت سيرة جلالته، والنظر إليها بعين فاحصة. فبفضل جلالته، تلاشت مخاوفي من نقد التاريخ، وتحررت تدريجيًا من التردد الذي كان يجعلني أتهيّب مراجعة ما ورثناه من روايات وأفكار ترسّخت في أذهاننا.

وجدتُ مقاطع عديدة مُولّدة بالذكاء الاصطناعي، تتناول موضوعات مختلفة، وتُظهر شخصيات بارزة وكأنها لا تزال تتحدث. حتّم عليّ ذلك بذل جهد عظيم للتحقق من أصالة المقاطع المتعلقة بجلالته. لم يكن ذلك عن شكٍّ في صحتها، بل توثيقًا لها واطمئنانًا لأصالتها. رجعتُ إلى مصادر نشرها، وقارنتُها بالتسجيلات المتاحة من جهات موثوقة. علمتني هذه التجربة أن التحدي لم يعُد مقتصرًا على كشف زيف المحتوى، بل امتد ليشمل التشكيك في أصالته. أصبح الشك يطال المحتوى وصاحبه معًا. كنا في السابق نتعامل مع ما يتم تدوينه على أنه أصيلٌ حتى يثبُت زيفه. أما اليوم، فنحن نتجه إلى التعامل معه على أنه مزيّفٌ حتى تثبُت أصالته.

تطلّب مني إعداد رسالة علمية رصينة أن أوسّع دائرة قراءاتي، وأن أطّلع على ما كتبه الآخرون، على اختلاف ثقافاتهم ومعتقداتهم وتوجهاتهم. أدركت أن الاطلاع على الروايات المتعدّدة، باختلاف منابعها، ومقارنتها ببعضها البعض يتيح لي التحقق من دقة ما دُوّن. كما يساعدني على اكتشاف ما قد يتخلله من نقصٍ أو مبالغةٍ أو تحيّز. الاكتفاء بما ألِفته يحجب عني جوانب من الحقيقة. تعلّمت ألّا أعتمد روايةً لمجرد موافقتها لقناعاتي، ولا أرفض أخرى لمجرد اختلافها معها، بل أقرأ وأقارن وأمحّص.

الخلاصة أنني، بفضل الخبرة التي اكتسبتها من رحلتي الطويلة في تجاوز خوفي من نقد التاريخ، أدركت أن الوعي الحقيقي يولد من قلب المعاناة، وأن الشجاعة تنبثق من مواجهة الخوف. لم أعد أرى التاريخ مجرد أحداث مضت وانتهت. أيقنت أن التاريخ جزءٌ لا يتجزأ من الجذور التي تشكّل حاضري وتؤثر في فهمي لواقعي. تعلّمت أن القراءة الواعية للتاريخ تقتضي ألّا أكتفي بترديدها دون أن أتحقّق من أصلها. اقتنعت بضرورة ألّا أسلّم بكل ما ورد عن السابقين دون مراجعة، وألّا أرفض ما يخالف قناعاتي لمجرد اختلافه معها. بل يتوجب عليّ أن أُحكّم عقلي فيما أقرأ وأسمع، وأن أبقى منفتحة على الحوار والاستماع إلى الرأي الآخر.

حين أستحضر دعوة جلالة السلطان قابوس - طيّب الله ثراه - إلى صون الفكر من المصادرة، وإعمال العقل والتدبر والاجتهاد، أجد فيها ما يُعزّز قناعتي بأن المعرفة لا تنمو بالخوف من توجيه الأسئلة، ولا تُصان برفض مناقشة الأجوبة. تجلى لي أن الحقيقة لا تُدرك بمجرد التسليم بما نشأتُ عليه واعتدتُه، بل بالسعي الدؤوب إلى التحقّق منها، مهما تطلّب ذلك مني شجاعة فكرية وتحررًا من الأحكام المسبقة. ومن هنا، وجدتُ الإجابة عن التساؤل الذي طالما أرّقني: هل نقد التاريخ تمردٌ على الثوابت والمسلّمات، أم تحرّرٌ من الخوف؟

شارك الخبر: