المنافسة الشريفة: الطريق إلى النجاح والتميز بعيدًا عن السموم


هذا الخبر بعنوان "التنافس مشروع.. إذا خلا من السموم | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ نوفمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
التنافس، ذلك السلوك الإنساني المتأصل، يمكن أن يكون دافعًا للخير والتقدم إذا استند إلى الطموح والرغبة في التميز وتحقيق الأفضل. لكنه قد يتحول إلى أداة مؤذية ومدمرة عندما تختلط به الأنانية والحسد والرغبة في إقصاء الآخرين. فليس كل تنافس شريفًا، وليس كل سعي للتقدم مشروعًا. هناك تنافس يغذي النجاح ويطور الذات، وآخر تحركه الأحقاد والمصالح الشخصية، ويدفع صاحبه إلى إيذاء الآخرين. العبرة الحقيقية ليست في مجرد الرغبة في التقدم، بل في الطريق الذي يسلكه الإنسان للوصول إلى هدفه.
إن رؤية نجاح الآخرين والاجتهاد لبلوغ ما بلغوه دون تمني زوال ما يملكون، هو قمة المنافسة المشروعة التي تدفع إلى تطوير الذات وتحسين الأداء. أما أن يصبح نجاح الآخر مصدر ضيق وتهديد، فيبدأ الإنسان بتتبع عثراته والبحث عن أخطائه وتشويه صورته، فهنا يتحول الطموح إلى حسد، وتتحول المنافسة إلى سلوك مؤذٍ ومدمر.
تزداد خطورة هذا التنافس غير الشريف عندما يتسلل إلى مواقع المسؤولية والقيادة. فالمسألة هنا لا تعود مجرد رغبة شخصية في إثبات الذات، بل تصبح قرارات تمس حياة الآخرين، ومؤسسات تقوم على الثقة، ومسؤوليات يُفترض أن يكون العدل أساسها. فالوظيفة العامة أمانة وليست امتيازًا، ومن يتولاها مؤتمن على حقوق الناس ومصالح المؤسسة، ولا يجوز أن يغيب العدل كلما تعارضت المصلحة العامة مع رغبة شخصية.
من المؤسف أن يتحول بعض من أُوكلت إليهم هذه الأمانة إلى طرف في منافسات شخصية، فينظرون إلى زملائهم بوصفهم منافسين ينبغي إبعادهم، لا شركاء في العمل. وعندها ينصرفون عن حماية المؤسسة إلى حماية مواقعهم ومصالحهم الخاصة. وقد يتحول التنافس لدى الانتهازي إلى وسيلة لإقصاء منافسه، فيتتبع عثراته، ويشوه صورته، ويحيك الدسائس ضده. والمتوقع ممن يتولى موقعًا مرموقًا، لا سيما في مجال إقامة العدل وصون الحقوق، أن يكون أبعد الناس عن هذه الممارسات. فمن أراد التقدم فليتقدم بكفاءته وأمانته، لا بإضعاف الآخرين؛ فالوشاية ليست طريقًا شريفًا إلى المنصب، وإقصاء الآخرين لا يصنع مسؤولًا جديرًا بالثقة.
وتبلغ المسألة ذروتها عندما تصبح هذه الأساليب الملتوية طريقًا إلى المواقع العليا، فتتراجع الكفاءة والنزاهة أمام العلاقات والوشايات وإضعاف المنافس الشريف. لكن الأخطر من صاحب الأسلوب الملتوي هو البيئة التي تسمح له بالاستمرار. وكما تقول الحكمة: إذا وضعت أحدًا فوق قدره، فتوقع منه أن يضعك دون قدرك. فإذا وصلت إلى أصحاب القرار معلومات عن تجاوزات شخص أو ممارسات تضر بالآخرين، ثم جرى التغاضي عنها لمصلحة خاصة أو منفعة يقدمها لأصحاب نفوذ، لم تعد القضية مرتبطة بشخص واحد، بل أصبحت قضية عدالة في الاختيار والمحاسبة ومنح الفرص.
فليس الخطر أن يتقدم شخص على حساب آخر فحسب، بل أن يصبح إقصاء الأكفاء وسيلة للصعود، وأن تتحول الأمانة إلى غطاء للمصالح الشخصية. وهنا تقع خسارة لا تظهر في التقارير، لكنها تستقر في النفوس. فقد يتحمل صاحب الضمير الحي تأخره عن موقع يستحقه، لكن يصعب عليه رؤية من يسلك الطرق الملتوية يتقدم عليه دون مساءلة. ومع تكرار ذلك يبرز سؤال موجع: ما جدوى الأمانة إذا كان الالتواء يحقق لصاحبه ما يريد؟ وما جدوى الاجتهاد إذا فُتحت الأبواب للمتسلقين؟
وهذا يمس روح العمل كلها؛ فالعدل في الاختيار لا يقل أهمية عن العدل في توزيع المسؤوليات والحقوق. عندما لا يجد المجتهد تقديرًا، قد يتراجع عطاؤه، وقد يختار الأمين الصمت خوفًا على مستقبله. وإذا رأى صاحب الولاء أن العلاقات تفتح أبواب التقدم لغير المستحقين، تراجعت قيمة الطموح المشروع. وهكذا لا نخسر موظفًا حُرم حقه فحسب، بل نخسر ثقافة تجعل العمل الجاد والأمانة والكفاءة والولاء للمؤسسة والوطن طريقًا للتقدم.
لذلك لا تقف مسؤولية صاحب القرار عند التوصية بترقية موظف أو إسناد منصب إليه، بل تمتد إلى التحقق من معايير اختياره: أكانت كفاءة واستحقاقًا مهنيًا، أم علاقات ومصالح ثمنها إقصاء الأكفاء وحرمان المؤسسة من طاقات تستحق أن تتقدم؟ فالمنصب الأعلى ليس جائزة لمن يجيد الوصول إليه، وإنما أمانة لمن يستطيع حملها. وقد يمنح صاحبه سلطة، لكنه لا يمنحه بالضرورة استحقاق المسؤولية. وقد يخسر المنافس الشريف موقعًا، لكنه لا يخسر نفسه، أما من يصل بعد إضعاف الآخرين بالدسائس فقد يكسب المنصب، لكنه لا يستطيع أن يجعل الالتواء عدلًا، ولا المصلحة الشخصية مصلحة عامة.
ولهذا فإن ميزان الاختيار لا ينبغي أن يقف عند قدرة الإنسان على الوصول، بل يتجاوزها إلى ما يحمله معه إلى الموقع: أمانة أم مصلحة؟ عدل أم تحيز؟ كفاءة أم علاقة؟ وحرص على المصلحة العامة أم رغبة في إقصاء الآخرين؟
فيا من اتخذت الدسائس والوشايات وسيلة لإقصاء الآخرين وإطالة بقائك في المنصب، تذكّر أن المنصب لن يدوم، وأنك ستغادره يومًا مهما طال بك المقام. وما يبقى لك هو أثرك، ولن تصنع الدسائس والوشايات لك مكانة محترمة مهما طال بقاؤك في موقعك. فالمواقع تزول، والأسماء تتغير، والمنافسات تنتهي، لكن أثر العدل يبقى. وما ينفع الناس هو وحده الذي يستحق أن يمكث، ويشهد عليه الناس عندما تُنصب الموازين ويقف الجميع أمام مشهد عظيم، حيث لا تنفع المناصب ولا العلاقات، وإنما تظهر حقيقة ما قدّم كل إنسان أمام عدالة رب العالمين.
وقد يعلو الزبد فوق الماء فيبدو أكثر حضورًا، لكنه لا يلبث أن يذهب؛ أما ما ينفع الناس فيبقى. وهكذا في مواقع العمل: قد تنجح الدسيسة في إبعاد إنسان، ويتأخر صاحب الكفاءة، لكن المواقع لا تصنع قيمة الإنسان. الذي يبقى هو عمله وأمانته وأثره النافع في الناس والمؤسسة والوطن. وليس أبلغ من أن نختتم هذا المقال بقول الله تعالى؛ ففي هذه الآية الكريمة ما يُلخّص المعنى ويضع الأمور في نصابها: ﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ﴾ (الرعد: 17).
منوعات
منوعات
منوعات
منوعات