من الخطابة الفاضلة إلى فن التلاعب: رحلة عبر التاريخ وتأثيرها على الجماهير


هذا الخبر بعنوان "من منابر الحكمة إلى منصات التلاعب | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ نوفمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
نشأت الخطابة في اليونان القديمة في بيئة تتسم بالتنازع القضائي والصراع السياسي والبرلماني في أسواق المدينة وساحاتها العامة. وتكمن أهميتها في ارتباطها المباشر بالمعتقدات والآراء والميول، لقابليتها للتأثير والتوجيه. سعى الفلاسفة حينها إلى تأطير الخطاب ضمن دائرة الفضيلة والحق، لحماية الجمهور من التلاعب بآرائه عبر خلط الحق بالباطل. في هذا السياق، ظهر السفسطائيون، وهم معلمون يونانيون في القرن الخامس قبل الميلاد، اشتهروا بتعليم فنون الإقناع والبلاغة مقابل أجر. شنّ أفلاطون حملة عليهم لانحرافهم عن المبادئ السليمة وتحويل الفن إلى مكسب مادي.
بالانتقال إلى الخطابة العربية في الجاهلية، نجد تشابهًا في الأمر. عندما أصبح الشعر حرفةً تكسُّبية، فقد مكانته، وتصدرت الخطابة المشهد. كانت الخطابة ذات مكانة في حياة العرب، مدفوعة بحاجات ملحة فرضها نمط حياتهم، نزاعاتهم القبلية، ومفاخراتهم وحروبهم. احتاجوا إلى كلام غير منظوم يعبر عن القبائل، ويسعى لإعجاب السامعين وإقناعهم، بل وإثارة لذتهم الفنية. كانت الخطابة وسيلة للحث على القتال وشحذ الهمم، وأداة للسلم وحقن الدماء. كما استخدمت في الوعظ والإرشاد والمناسبات كالتأبين والعزاء والنكاح والوفادة. لم تكن مجرد تعبير أو إقناع، بل ارتبطت بصفات الخطيب وفضائله كالحكمة والسيادة والشجاعة.
في عصر صدر الإسلام، أثر القرآن الكريم بشكل كبير على الخطابة بقوته البيانية والبلاغية. استطاع الخطيب دعم خطبته بالآيات القرآنية لتعزيز خطابه والتأثير في المستمعين. وجب على الخطيب في الإسلام أن يتحلى بالورع والسمعة الطيبة والمصداقية والمنطق والفضيلة.
أما الخطيب الحديث، فيختلف تصوره لطبيعة التأثير في الجماهير. يرى غوستاف لوبون في كتابه «سيكولوجية الجماهير» أن المتلقي لا يقتنع بالحقائق المنطقية، بل بالشعارات الرنانة والخيال. يكفي للخطيب أو القائد أن يمتلك كاريزما قوية وفرض سلطته بالهيبة والتكرار، فالجماهير تنقاد باللاشعور والغرائز والخطابات العاطفية. فهم أدولف هتلر هذه النظرية جيدًا، واعتمدها في خطاباته، منسقًا لغة جسده وصوته وكلامه، ومدربًا لساعات على كل خطبة حتى وإن افتقرت للمنطق. آمن وزير إعلامه جوزيف غوبلز بنظرية «اكذب حتى يصدقك الناس»، فالتكرار يجعل الفكرة الزائفة مألوفة، والمألوف يتحول لحقيقة لدى المتلقي، وهو ما يُعرف بـ «تأثير وهم الحقيقة» في علم النفس. وعلى الخطيب التركيز على شعارات مثل الشرف والعدالة والتضحية، حتى لو لم يؤمن بها.
في سياق متصل، يعتمد كارنيجي في هيكلة الخطبة على جذب انتباه الجمهور، وتناسق لغة الجسد، ورواية قصة أو تجربة حية لدعم الخطبة، مع توضيح النقطة الأساسية والفائدة منها وكيف يمكن للمتلقي الاستفادة منها. ويختتم بخاتمة تبقى في ذهن الجمهور. نلاحظ أن الحداثيين لم يعتمدوا المنطق والفضيلة والشرف، بينما اعتمد عليها القدماء في اليونان والعرب وعصر الإسلام. وحتى في المجتمعات العربية، يلتزم الذين يحلون المنازعات القبلية وخطباء المساجد بفضائل كالشرف والحكمة للتأثير في المتلقين والمتنازعين.
تتضح المفارقة بين التجربتين؛ فالقدماء اعتمدوا على الفضائل، بينما اعتمد الحداثيون على الطرق والأساليب، حتى لو كان صاحبها يكذب. وهذا ما يحدث في إعلامنا اليوم والدعاية الإعلامية (البروباغاندا)، من ضخ للمعلومات الكاذبة، معتمدين على إثارة الغرائز والانفعالات، والعزف على الوتر الحساس لخدمة أغراض غير نبيلة، وتكرار الكذب حتى يصبح مألوفًا، فينساق العوام وراءه.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة