زيارة تاريخية للسلطان هيثم إلى الصين: تعزيز الشراكة العُمانية الصينية وفتح آفاق جديدة للمعرفة


هذا الخبر بعنوان "زيارة تاريخية تفتح آفاقًا جديدة للشراكة العُمانية الصينية | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ نوفمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
من بكين، حيث أعيش وأدرس، أتابع بفخر واعتزاز، كغيري من أبناء عُمان الدارسين في الصين، زيارة الدولة التي يقوم بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، إلى جمهورية الصين الشعبية. هذه الزيارة هي الأولى من نوعها لسلطان عُماني إلى الصين منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 1978، وتأتي تتويجًا لمسيرة تقارب نصف قرن، ولشراكة استراتيجية أعلنها البلدان عام 2018. إنها ليست مجرد حدث دبلوماسي عابر، بل محطة تأسيسية لمرحلة جديدة تركز على الإنسان والمعرفة في قلب العلاقة بين البلدين.
جسور عمرها 12 قرنًا
تمتد العلاقة بين عُمان والصين لأكثر من اثني عشر قرنًا، حيث التقت الحضارتان على طريق الحرير البحري. فقد أبحر التاجر العُماني أبو عبيدة عبدالله بن القاسم إلى الصين، مسهمًا في مد جسور التجارة والتواصل بين الشعبين، وكان من أوائل من نقلوا صورة عُمان والعرب إلى الشرق البعيد. وقد أحيا المغفور له بإذن الله السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه – هذه الذاكرة مرتين: الأولى برعاية رحلة السفينة "صُحار" من مسقط إلى كانتون (قوانغتشو) بين عامي 1980 و1981، مقتفية أثر البحارة العُمانيين الأوائل. والثانية بتشييد قاعة كبرى ومسجد جامع بجوار مسجد الأصحاب (تشينغجينغ) التاريخي في مدينة تشيوانتشو عام 2009، تخليدًا لذكرى أبي عبيدة، وشاهدًا على عمق الروابط الحضارية والإنسانية. واليوم، تكتب زيارة جلالة السلطان هيثم فصلًا جديدًا في هذه القصة الممتدة.
قراءة من منظور التنمية والعلوم السياسية
من منظور تخصصي في التنمية الدولية والعلوم السياسية، تمثل هذه الزيارة تجسيدًا عمليًا لنهج السياسة الخارجية العُمانية القائم على التوازن والحياد الإيجابي وبناء الجسور مع مختلف الأطراف. تنظر سلطنة عُمان إلى الصين كشريك تنموي يُكمل شراكاتها الدولية الأخرى، وتحرص على أن تبقى علاقاتها مع القوى الكبرى قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل واستقلالية القرار. وتؤكد الأرقام هذا الواقع، إذ أصبحت الصين الشريك التجاري الأكبر لسلطنة عُمان، وبلغ التبادل التجاري بينهما نحو 36.7 مليار دولار عام 2024. وتتلاقى مستهدفات رؤية عُمان 2040 في التنويع الاقتصادي مع مبادرة الحزام والطريق في مجالات الطاقة المتجددة والبنية التحتية والخدمات اللوجستية، لا سيما في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم. أما نحن كطلبة، فنطمح إلى أن تنعكس الزيارة علينا في صورة اتفاقيات تعليمية وبحثية أوسع، وفرص أكبر للتدريب والتأهيل، واعتراف أكاديمي متبادل أكثر سلاسة.
تحديات على طريق المعرفة
في خضم هذا التفاؤل، لا بد من الوقوف بصراحة عند التحديات التي يواجهها الطلبة العُمانيون في الجامعات الصينية، فمعالجتها جزء أصيل من استثمار ثمار هذه الزيارة. يأتي في مقدمة هذه التحديات حاجز اللغة. فاللغة الصينية مفتاح الحياة اليومية، وهي طريق الباحث إلى المصادر الأصلية والوثائق الرسمية، ولا غنى عنها في دراسة السياسات العامة والتنمية. ومع ذلك، يصل كثير من الطلبة إلى الصين دون أساس لغوي كافٍ. ولذلك، أقترح إدراج تعليم اللغة الصينية في المؤسسات التعليمية في سلطنة عُمان على أيدي معلمين صينيين ناطقين بها، وتمويل الحكومة لدراسة اللغة للطلبة الراغبين. كما أتمنى أن تقدم وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار دليلًا معتمدًا بالجامعات الصينية، وأن تساعد الطلبة في إجراءات السفر والاستقبال، وأن تُنشأ قناة تواصل رسمية تربط الطلبة الجدد بزملائهم العُمانيين الدارسين في الصين.
ويأتي بعد ذلك تحدي التكيف الثقافي والأكاديمي. فالنظام الأكاديمي الصيني يختلف في أساليب الإشراف ومتطلبات التخرج. ويواجه الباحث صعوبة في الوصول إلى عدد من المواقع ومحركات البحث والمنصات العالمية من داخل الصين. وتتعذر كذلك المقابلات وجمع البيانات الميدانية في سلطنة عُمان بسبب بُعد المسافة، يضاف إلى ذلك البعد عن الأهل والوطن، وقلة الطعام الحلال في بعض المدن. ويمكن تذليل كثير من ذلك بتمكين الطلبة المبتعثين من الوصول إلى قواعد البيانات العلمية العالمية، وتقديم منح سفر ميدانية لطلبة الدراسات العليا لجمع البيانات في عُمان، وتسهيل المقابلات مع الجهات الحكومية عن بُعد. ويبقى لجمعيات الطلبة العُمانيين، بدعم من سفارة سلطنة عُمان في بكين، دور مهم في إرشاد الطلبة الجدد وإعداد أدلة عملية.
أما تكاليف المعيشة، فترتفع كثيرًا في المدن الكبرى مثل بكين وشنغهاي. ويستدعي ذلك مراجعة المخصصات الدراسية دوريًا وفق مؤشر تكلفة المعيشة في كل مدينة. ولا تتوفر حاليًا مسارات واضحة تدعم الراغبين في مواصلة البحث بعد الدكتوراه في الصين. ولذلك أقترح إطلاق برنامج منح لما بعد الدكتوراه بالتعاون مع الجامعات ومراكز البحث الصينية، يرتبط بأولويات رؤية عُمان 2040، ويضمن مسارًا واضحًا لاستيعاب الباحثين في الجامعات والمؤسسات العُمانية بعد عودتهم.
تطلعات نحو شراكة معرفية تخدم الوطن
الاستثمار الأكثر استدامة هو الاستثمار في الإنسان، والمعرفة هي ما يبقى للأوطان. ومن هنا، أتطلع إلى أن تثمر الزيارة السامية عن توسيع المنح الدراسية في التخصصات التي تخدم مستهدفات رؤية عُمان 2040، كالذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والخدمات اللوجستية، وكذلك دراسات التنمية والسياسات العامة والعلاقات الدولية. فقد غيّرت دراسة التنمية الدولية والعلوم السياسية طريقتي في النظر إلى العالم، وأصبحت أرى أن الدول تستطيع حلّ خلافاتها بالحوار والمصالح المشتركة لا بالصراع والمواجهة. وتجسّد سلطنة عُمان هذا المبدأ عمليًا بسياسة الحياد الإيجابي وحسن الجوار، ودورها في الوساطة. والصين بدورها تؤكد مبدأ التنمية المشتركة والحلول السياسية للنزاعات. لذلك، فإن إعداد كوادر عُمانية متخصصة في التنمية وحل النزاعات والدبلوماسية، تفهم الشرق والغرب معًا، يخدم نهج عُمان ويعزز حضورها صوتًا للسلام.
وأتطلع كذلك إلى برامج أكاديمية مشتركة ودرجات علمية مزدوجة بين جامعة السلطان قابوس والجامعات الصينية الرائدة، تشمل تبادل الطلبة، والمدارس الصيفية، والإشراف المشترك على الرسائل. وإلى جانب ذلك، أتمنى أن تُنشأ مراكز بحثية مشتركة تدرس التجربة التنموية الصينية بعين ناقدة، وتبحث فيما يمكن توطينه منها في السياق العُماني. فقد انتشلت الصين مئات الملايين من الفقر وطوّرت نماذج للتنمية، وفي هذه التجربة دروس قيّمة لمشاريع مثل الدقم، ولخطط التنويع الاقتصادي. ويمكن أن تُتوَّج هذه الجهود بمجلة علمية أو مؤتمر سنوي مشترك يجمع الباحثين العُمانيين والصينيين.
ولا تكتمل المعرفة دون تطبيق، ولهذا أتطلع إلى برامج تدريب منظّمة للطلبة والخريجين في الشركات الصينية العاملة في سلطنة عُمان، ولا سيما في الدقم، وفي الشركات والمؤسسات داخل الصين، على أن يُربط هذا التدريب بالتزامات واضحة في توظيف الكفاءات الوطنية. كما أتطلع إلى منح ميدانية لطلبة الدراسات العليا، وتسهيل وصولهم إلى مراكز الفكر والمؤسسات الحكومية في البلدين، وتبادل الأساتذة الزائرين. وأقترح أن تتاح لطلبة العلوم السياسية والتنمية الدولية واللغة الصينية فرص تدريب في سفارة سلطنة عُمان لدى جمهورية الصين الشعبية، فيتعرفوا عن قرب على العمل الدبلوماسي.
وأخيرًا، أتطلع إلى إنشاء شبكة رسمية لخريجي الجامعات الصينية من العُمانيين. فهؤلاء الخريجون يفهمون اللغة والثقافة ومنظومة صنع القرار في الصين، ويمكنهم أن يكونوا جسرًا بين البلدين في الاقتصاد والسياسة والثقافة والإعلام. وهذا ما تسميه أدبيات العلوم السياسية "القوة الناعمة" و"الدبلوماسية العامة".
نحو مستقبل نصنعه معًا
أرى في ضوء التعاون بين الصين وسلطنة عُمان أن سلطنة عُمان قادرة على أن تكون نموذجًا لدولة تستفيد من الشراكة مع الصين في التنمية، وهي محافظة على استقلالية قرارها وتوازن علاقاتها الدولية. ونحن الطلبة العُمانيين في الصين نحمل مسؤولية أن نعود بما تعلمناه لخدمة الوطن، وأن نكون سفراء لقيمه في الحوار والتسامح والسلام. وبذلك نواصل ما بدأه أبو عبيدة عبدالله بن القاسم قبل اثني عشر قرنًا من بناء الجسور بين عُمان والصين، ونجدد العهد على أن تبقى المعرفة أمتن هذه الجسور وأبقاها.
سياسة
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد