عُمان
سياسة

يعقوب السعيدي: من جبال الحجر إلى قمة العدالة.. مسيرة عطاء تترجل بعد سنوات من الإنجاز

الرؤية١ نوفمبر ٢٠٢٦ في ٠٥:١٨ م0 مشاهدة
يعقوب السعيدي: من جبال الحجر إلى قمة العدالة.. مسيرة عطاء تترجل بعد سنوات من الإنجاز

تنويه

هذا الخبر بعنوان "يعقوب السعيدي.. من جبال الحجر إلى محراب العدالة | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ نوفمبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في الأول من نوفمبر 2026، يختتم الشيخ الدكتور يعقوب السعيدي مسيرته الوظيفية الممتدة في محراب العدالة، حيث اختار بإرادته التقاعد بعد سنوات حافلة بالعطاء والمسؤولية. إن قيمة الرجال لا تُقاس بعدد السنوات في المناصب، بل بما يتركونه من قيم وما يسهمون به في بناء وطنهم.

تعود جذور الشيخ الدكتور إلى جبال الحجر، وتحديدًا قلعة بني سعيد، حيث تتجسد أصالة الإنسان مع شموخ المكان، وتختزن الجبال قصص الصبر والثبات. وكأنّ العلاقة بين الرجل وجباله تحمل تأملاً عميقًا؛ فكما تقف جبال عُمان راسخة أمام تقلبات الزمن، يمضي أصحاب المبادئ في ميادين المسؤولية مستندين إلى قيم ثابتة.

ارتبطت مسيرة السعيدي بمحطات هامة في بناء المنظومة القضائية العُمانية، وشملت مسؤولياته التشريع، والعمل القضائي، والتطوير المؤسسي، والتفتيش القضائي. وقد ترأس لجانًا لصياغة قوانين هامة مثل قانون السلطة القضائية وقانون المحاماة وقانون المعهد العالي للقضاء، مساهمات تجاوزت حدود المسؤولية الوظيفية لتشكل الأطر القانونية التي تنظم مؤسسات العدالة وتحمي الحقوق.

من الشواهد الرسمية على مسيرته، المرسوم السلطاني رقم (93/2002) الصادر في 16 ديسمبر 2002 بتعيينه قاضيًا بالمحكمة العليا، وهو ما يوثق بداية تجربته القضائية الطويلة. ومن هذا الموقع، تولى رئاسة المكتب الفني بالمحكمة العليا، والدائرة المدنية، والدائرة العمالية بالمحكمة العليا لمدة سبع سنوات شهدت تحديات اقتصادية.

في هذه المواقع، تتجلى حقيقة القضاء؛ فخلف كل ملف إنسان ينتظر الإنصاف، وخلف كل قضية حق ينبغي أن يصل لصاحبه. فالعدل ليس مجرد مادة قانونية، بل هو ميزان تُختبر به الضمائر وثقة يستقيم بها المجتمع. القاضي الذي يدرك ذلك لا يرى في منصته امتيازًا، بل أمانة ثقيلة، ولا ينظر إلى سلطته كمكانة، بل كتكليف ليكون أقرب إلى الحق.

في الإدارة العامة للتفتيش القضائي، التي تولى مسؤوليتها مرتين (2012-2015 و2022)، واصل دوره في تقويم الأداء القضائي وتطوير أدواته. ارتبطت مسيرته بالعمل على تطوير معايير التفتيش وآلياته، وتقديم الدراسات والمقترحات لمعالجة التحديات الإدارية، وتحديث الإجراءات، وتعزيز التعاون وتبادل الخبرات. ويظل تحديث التشريعات، ورقمنة أعمال المحاكم، والارتقاء بآليات اختيار الكفاءات القضائية ضرورة لترسيخ الثقة في المؤسسات.

لكن سيرة الرجال لا تُختزل في المناصب وحدها؛ إنها فلسفة العطاء، حيث إتقان الواجب وراحة الضمير وأداء الأمانة قيم لا تنتظر ثناءً. قيمة المسيرة لا تُقاس بمنصب أو أوسمة، بل بالعطاء الذي تشهد له المؤسسات والأجيال والمتدربون. لقد أضاء الشيخ الدكتور جوانب مهمة من مسيرة القضاء العُماني بجهده وخبرته وإخلاصه، ويبقى أثره حاضرًا في ذاكرة العاملين وأداء المؤسسة.

مع ترجله عن منصبه، لا تنتهي مسيرة العطاء، بل تنتقل إلى صفحة جديدة. ستبقى خبرته وإسهاماته جزءًا من سجل مؤسسي تتكامل فيه جهود الرجال وتتراكم التجارب. المناصب تتعاقب، أما القيم والأثر النافع فهما ما يبقى في ذاكرة المؤسسة والوطن. وستظل جبال الحجر شاهدة على أن عظمة الرجال لا تُقاس بعلو المناصب، بل برسوخ القيم. فالجبل لا يحتاج شهادة لشموخه، وكذلك الرجل الذي يجعل من الأمانة نهجًا والعدل رسالة وخدمة الوطن عهدًا. قد يترجل القاضي عن منصته، لكن ما غرسه من أثر يبقى في المؤسسة خبرة، وفي الذاكرة سيرة، وفي ضمير الوطن معنى يستحق التقدير.

طوبى لمن جعل المسؤولية أمانة، والعدالة رسالة، وخدمة عُمان عهدًا صادقًا. لقد جعل صاحب السيرة ميزان الحق نصب عينيه، مستهديًا بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاس أنْ تَحْكُمُوا بِالْعدل ﴾ (النساء: 58).

شارك الخبر: