هل تصلح تجارب الصين التنموية لعُمان؟ مقارنة بين النمو المحلي والخصوصية العُمانية


هذا الخبر بعنوان "ليس كل ما نجح في الصين يصلح لعُمان | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ نوفمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
عند النظر إلى التحولات الاقتصادية والتنموية التي شهدتها الصين خلال العقود الماضية، قد يبدو من المغري البحث عن نماذج ناجحة يمكن نقلها إلى مجتمعات أخرى، خصوصًا عندما تقدم التجربة نتائج ملموسة في تطوير البنية الأساسية، وتنويع الاقتصادات المحلية، وتحويل بعض القرى إلى مراكز للإنتاج وريادة الأعمال. غير أن نجاح أي تجربة لا يعني بالضرورة صلاحيتها للتطبيق خارج البيئة التي نشأت فيها؛ فالسياسات لا تعمل بمعزل عن المؤسسات التي تنفذها، ولا عن المجتمعات التي تستقبلها، ولا عن الظروف الاقتصادية والجغرافية التي تحدد فرص نجاحها. ومن هنا يصبح السؤال الأكثر أهمية ليس ما الذي نجح في الصين، وإنما لماذا نجح هناك، وما الشروط التي قد تسمح بالاستفادة من منطقه في سياق مختلف مثل سلطنة عُمان؟
على امتداد المقالات الأربعة السابقة من هذه السلسلة، تناولنا العلاقة بين المركز والمستويات المحلية في النظام الإداري الصيني، ومفهوم «التجريب تحت الهرمية» بوصفه أحد الأطر التفسيرية لبعض مسارات الإصلاح، ثم انتقلنا إلى تحول القرى من مجتمعات تعتمد على الأنشطة التقليدية إلى اقتصادات محلية أكثر تنوعًا، وصولًا إلى تجربة قرية ليزو التي أظهرت كيف يمكن أن تسهم المبادرات الاقتصادية والخدمات والحوافز في استقطاب رواد الأعمال وإعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والمكان. وقد قدمت هذه التجارب مجموعة من الأفكار المهمة، لكنها تطرح في الوقت نفسه ضرورة التمييز بين النتائج التي يمكن ملاحظتها، والآليات التي أسهمت في إنتاجها، والظروف التي جعلت تلك الآليات قابلة للعمل.
الاختلافات الجوهرية بين الصين وعُمان:
التعلم من التجربة الصينية: منهجية لا استنساخ
القيمة الأكثر قابلية للاستفادة من التجربة الصينية هي منهجية التعلم من التطبيق، وليس البنية الإدارية التي نشأت داخلها تلك المنهجية. وهنا تظهر أهمية التمييز بين اللامركزية بوصفها توزيعًا للاختصاصات، والتجريب بوصفه أسلوبًا لإنتاج المعرفة التنموية. فقد تمتلك المحافظة صلاحيات واسعة دون أن تطور قدرة مؤسسية على اختبار المشروعات وتقييم نتائجها، كما يمكن للإدارة المركزية أن تسمح بتجارب محلية محددة دون أن تتخلى عن مسؤولياتها الاستراتيجية. ولذلك فإن السؤال لا ينبغي أن ينحصر في مقدار الصلاحيات التي تنتقل إلى المستوى المحلي، وإنما في كيفية استخدام هذه الصلاحيات لتحسين القرارات الاقتصادية والاجتماعية، ومدى توافر البيانات والكفاءات وآليات التقييم التي تسمح بالتعلم من النتائج.
الاستدامة والتقييم: ما وراء الأرقام
نجاح التنمية المحلية لا يقاس بحجم الإنفاق أو عدد المشروعات المعلنة، وإنما بقدرة المؤسسات على اختيار الأنشطة ذات الجدوى، وتطوير الشراكات، وإدارة المخاطر، وقياس العوائد الاقتصادية والاجتماعية على المدى الطويل. ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة عند النظر إلى المشروعات الريفية والسياحية. فقد نجحت بعض القرى الصينية في استقطاب الزوار ورواد الأعمال، لكن نجاح هذه التجارب لا يعني أن تحويل كل قرية إلى وجهة سياحية يمثل خيارًا تنمويًا مناسبًا. فالسياحة تعتمد على الطلب والموقع وسهولة الوصول وجودة الخدمات والقدرة على التميز. كما أن نجاح المشروعات الاقتصادية لا ينبغي أن يحجب تكاليفها الاجتماعية والبيئية. فقد تؤدي بعض أنماط التنمية السريعة إلى ضغوط على الموارد الطبيعية، أو ارتفاع تكاليف الأراضي والسكن، أو تغير طبيعة المجتمعات المحلية. ولذلك فإن تقييم التجربة لا يكتمل بالنظر إلى نمو الدخل أو ارتفاع أعداد الزوار، بل يحتاج إلى دراسة توزيع المنافع والتكاليف بين السكان، ومدى قدرة المجتمع المحلي على المشاركة في اتخاذ القرارات والاستفادة من العوائد والمحافظة على هويته وموارده. ومن هنا يصبح مفهوم الاستدامة أكثر تعقيدًا من مجرد استمرار النشاط الاقتصادي.
استيعاب المنهج لا استيراد المشروع
يبرز هنا اختلاف مهم بين استيراد المشروع واستيعاب المنهج. فاستيراد المشروع يبدأ من صورة نجاح جاهزة، ثم يبحث عن مكان يمكن تطبيقها فيه، بينما يبدأ استيعاب المنهج من دراسة المكان نفسه، وتحديد مشكلاته وفرصه، واختبار الحلول المناسبة له. وفي الحالة الأولى يصبح التشابه مع التجربة الأصلية معيارًا ضمنيًا للنجاح، أما في الثانية فإن المعيار هو قدرة الحل على تحقيق نتائج فعلية في البيئة الجديدة. وقد تكون النتيجة العُمانية مختلفة تمامًا عن النموذج الصيني من حيث الشكل والقطاع الاقتصادي، لكنها تستفيد من المبدأ نفسه في تحديد الفرص واختبارها وتطويرها. ولعل هذا هو الدرس الأكثر أهمية الذي يمكن استخلاصه من مفهوم
اقتصاد
سياسة
اقتصاد
اقتصاد