عُمان
اقتصاد

هل تصلح تجارب الصين التنموية لعُمان؟ مقارنة بين النمو المحلي والخصوصية العُمانية

الرؤية١ نوفمبر ٢٠٢٦ في ٠٣:٣٦ م0 مشاهدة
هل تصلح تجارب الصين التنموية لعُمان؟ مقارنة بين النمو المحلي والخصوصية العُمانية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "ليس كل ما نجح في الصين يصلح لعُمان | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ نوفمبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

عند النظر إلى التحولات الاقتصادية والتنموية التي شهدتها الصين خلال العقود الماضية، قد يبدو من المغري البحث عن نماذج ناجحة يمكن نقلها إلى مجتمعات أخرى، خصوصًا عندما تقدم التجربة نتائج ملموسة في تطوير البنية الأساسية، وتنويع الاقتصادات المحلية، وتحويل بعض القرى إلى مراكز للإنتاج وريادة الأعمال. غير أن نجاح أي تجربة لا يعني بالضرورة صلاحيتها للتطبيق خارج البيئة التي نشأت فيها؛ فالسياسات لا تعمل بمعزل عن المؤسسات التي تنفذها، ولا عن المجتمعات التي تستقبلها، ولا عن الظروف الاقتصادية والجغرافية التي تحدد فرص نجاحها. ومن هنا يصبح السؤال الأكثر أهمية ليس ما الذي نجح في الصين، وإنما لماذا نجح هناك، وما الشروط التي قد تسمح بالاستفادة من منطقه في سياق مختلف مثل سلطنة عُمان؟

على امتداد المقالات الأربعة السابقة من هذه السلسلة، تناولنا العلاقة بين المركز والمستويات المحلية في النظام الإداري الصيني، ومفهوم «التجريب تحت الهرمية» بوصفه أحد الأطر التفسيرية لبعض مسارات الإصلاح، ثم انتقلنا إلى تحول القرى من مجتمعات تعتمد على الأنشطة التقليدية إلى اقتصادات محلية أكثر تنوعًا، وصولًا إلى تجربة قرية ليزو التي أظهرت كيف يمكن أن تسهم المبادرات الاقتصادية والخدمات والحوافز في استقطاب رواد الأعمال وإعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والمكان. وقد قدمت هذه التجارب مجموعة من الأفكار المهمة، لكنها تطرح في الوقت نفسه ضرورة التمييز بين النتائج التي يمكن ملاحظتها، والآليات التي أسهمت في إنتاجها، والظروف التي جعلت تلك الآليات قابلة للعمل.

الاختلافات الجوهرية بين الصين وعُمان:

  • حجم الاقتصاد والسوق: تمتلك الصين قاعدة سكانية واسعة وسوقًا داخلية ضخمة وشبكات إنتاج وتوزيع متكاملة، مما يمنح المشروعات المحلية فرصًا للوصول إلى أعداد كبيرة من المستهلكين والموردين. في المقابل، تختلف عُمان في حجم السكان وتوزيعهم الجغرافي وطبيعة الأسواق المحلية، مما يجعل افتراض قدرة كل قرية أو ولاية على تطوير نشاط اقتصادي مستقل ومكتمل يحتاج إلى مراجعة. قد يكون من الأكثر كفاءة لبعض المناطق العُمانية أن تتخصص في جزء محدد من سلسلة القيمة، أو أن تتكامل اقتصاديًا مع مناطق أخرى، بدل محاولة إنشاء منظومة إنتاج وتسويق متكاملة داخل حدودها.
  • البنية الاقتصادية: ارتبط جانب مهم من التحول الصيني بتوسع الصناعة التحويلية، وتراكم الخبرات الإنتاجية، واندماج البلاد في سلاسل القيمة العالمية، إلى جانب الاستثمار الواسع في البنية الأساسية والقدرات التقنية. أما الاقتصاد العُماني، فرغم ما شهده من تطور في قطاعات الصناعة والخدمات واللوجستيات والسياحة، فإنه ينطلق من هيكل اقتصادي مختلف وتحديات خاصة تتعلق بتنويع مصادر الدخل وتعزيز القيمة المضافة وتوسيع مساهمة القطاع الخاص. ولذلك فإن استلهام تجربة قرية صناعية صينية لا يعني بالضرورة إنشاء مصانع مماثلة في القرى العُمانية، وإنما قد يعني البحث عن الأنشطة التي تستطيع الاستفادة من الموارد المحلية والقدرات الوطنية والطلب الفعلي في الأسواق الداخلية والخارجية.
  • الجغرافيا والكثافة السكانية: نشأت بعض التجارب الريفية الصينية في مناطق تتمتع بكثافات سكانية مرتفعة نسبيًا، وقرب من المراكز الحضرية وشبكات النقل والأسواق. وتسمح هذه الظروف بتوفير خدمات مشتركة وتخفيض تكاليف النقل والتوزيع وخلق طلب محلي يدعم الأنشطة الاقتصادية. وفي المقابل، تتسم أجزاء واسعة من عُمان بتباعد التجمعات السكانية وتنوع البيئات الطبيعية، مما يجعل تكاليف تقديم الخدمات وتطوير المشروعات متفاوتة بدرجة كبيرة بين المناطق. وقد يكون المشروع الذي يحقق جدوى اقتصادية في ولاية قريبة من مركز حضري أقل قدرة على الاستمرار في تجمع سكاني بعيد. ولا يقتصر أثر الجغرافيا على التكاليف الاقتصادية، بل يمتد إلى طبيعة الفرص نفسها. فالموقع الساحلي قد يمنح بعض المناطق ميزات في الخدمات البحرية والأنشطة اللوجستية، بينما تمتلك مناطق أخرى فرصًا في الزراعة المتخصصة أو السياحة البيئية. غير أن وجود الميزة الطبيعية لا يعني بالضرورة وجود ميزة اقتصادية قابلة للاستثمار؛ إذ يتطلب تحويل الموارد إلى قيمة مضافة توافر الأسواق والمهارات والتقنيات والبنية الأساسية والقدرة على إدارة المخاطر.
  • طبيعة المؤسسات والعلاقة بين مستويات الإدارة: التجريب المحلي في الصين نشأ وتطور ضمن نظام سياسي وإداري له خصائصه التاريخية والتنظيمية. وقد سمحت هذه البيئة، في مراحل معينة، باختبار سياسات محلية وتوسيع بعضها، لكنها ارتبطت كذلك بتحديات تتعلق بتفاوت القدرات بين المناطق والحوافز الإدارية والمخاطر المالية. ولا يمكن افتراض أن نقل أداة إدارية منفردة سيؤدي إلى النتائج نفسها إذا اختلفت المؤسسات المسؤولة عن التنفيذ والرقابة وتوزيع الموارد. وفي عُمان، ينبغي أن تنطلق أي محاولة للاستفادة من التجارب الدولية من الإطار المؤسسي الوطني، ومن التحولات الجارية في الإدارة المحلية وتعزيز أدوار المحافظات ضمن رؤية عُمان 2040. فالمطلوب ليس استنساخ العلاقة بين المركز والمحليات في الصين، وإنما تطوير آليات تسمح للمحافظات بتحديد الفرص الاقتصادية واختبار المبادرات ضمن منظومة وطنية واضحة للصلاحيات والتمويل والمساءلة.

التعلم من التجربة الصينية: منهجية لا استنساخ

القيمة الأكثر قابلية للاستفادة من التجربة الصينية هي منهجية التعلم من التطبيق، وليس البنية الإدارية التي نشأت داخلها تلك المنهجية. وهنا تظهر أهمية التمييز بين اللامركزية بوصفها توزيعًا للاختصاصات، والتجريب بوصفه أسلوبًا لإنتاج المعرفة التنموية. فقد تمتلك المحافظة صلاحيات واسعة دون أن تطور قدرة مؤسسية على اختبار المشروعات وتقييم نتائجها، كما يمكن للإدارة المركزية أن تسمح بتجارب محلية محددة دون أن تتخلى عن مسؤولياتها الاستراتيجية. ولذلك فإن السؤال لا ينبغي أن ينحصر في مقدار الصلاحيات التي تنتقل إلى المستوى المحلي، وإنما في كيفية استخدام هذه الصلاحيات لتحسين القرارات الاقتصادية والاجتماعية، ومدى توافر البيانات والكفاءات وآليات التقييم التي تسمح بالتعلم من النتائج.

الاستدامة والتقييم: ما وراء الأرقام

نجاح التنمية المحلية لا يقاس بحجم الإنفاق أو عدد المشروعات المعلنة، وإنما بقدرة المؤسسات على اختيار الأنشطة ذات الجدوى، وتطوير الشراكات، وإدارة المخاطر، وقياس العوائد الاقتصادية والاجتماعية على المدى الطويل. ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة عند النظر إلى المشروعات الريفية والسياحية. فقد نجحت بعض القرى الصينية في استقطاب الزوار ورواد الأعمال، لكن نجاح هذه التجارب لا يعني أن تحويل كل قرية إلى وجهة سياحية يمثل خيارًا تنمويًا مناسبًا. فالسياحة تعتمد على الطلب والموقع وسهولة الوصول وجودة الخدمات والقدرة على التميز. كما أن نجاح المشروعات الاقتصادية لا ينبغي أن يحجب تكاليفها الاجتماعية والبيئية. فقد تؤدي بعض أنماط التنمية السريعة إلى ضغوط على الموارد الطبيعية، أو ارتفاع تكاليف الأراضي والسكن، أو تغير طبيعة المجتمعات المحلية. ولذلك فإن تقييم التجربة لا يكتمل بالنظر إلى نمو الدخل أو ارتفاع أعداد الزوار، بل يحتاج إلى دراسة توزيع المنافع والتكاليف بين السكان، ومدى قدرة المجتمع المحلي على المشاركة في اتخاذ القرارات والاستفادة من العوائد والمحافظة على هويته وموارده. ومن هنا يصبح مفهوم الاستدامة أكثر تعقيدًا من مجرد استمرار النشاط الاقتصادي.

استيعاب المنهج لا استيراد المشروع

يبرز هنا اختلاف مهم بين استيراد المشروع واستيعاب المنهج. فاستيراد المشروع يبدأ من صورة نجاح جاهزة، ثم يبحث عن مكان يمكن تطبيقها فيه، بينما يبدأ استيعاب المنهج من دراسة المكان نفسه، وتحديد مشكلاته وفرصه، واختبار الحلول المناسبة له. وفي الحالة الأولى يصبح التشابه مع التجربة الأصلية معيارًا ضمنيًا للنجاح، أما في الثانية فإن المعيار هو قدرة الحل على تحقيق نتائج فعلية في البيئة الجديدة. وقد تكون النتيجة العُمانية مختلفة تمامًا عن النموذج الصيني من حيث الشكل والقطاع الاقتصادي، لكنها تستفيد من المبدأ نفسه في تحديد الفرص واختبارها وتطويرها. ولعل هذا هو الدرس الأكثر أهمية الذي يمكن استخلاصه من مفهوم

شارك الخبر: