عُمان
سياسة

عُمان: من قوة بحرية عابرة للقارات إلى عمق التأثير الدبلوماسي

الرؤية٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٤:٣٤ م0 مشاهدة
عُمان: من قوة بحرية عابرة للقارات إلى عمق التأثير الدبلوماسي

تنويه

هذا الخبر بعنوان "عُمان.. من اتساع الإمبراطورية إلى عمق الحضور | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

ليست كل زيارة بين قائدين حدثًا دبلوماسيًا ينتهي بانتهاء مراسمه؛ فبعض الزيارات تفتح صفحات من التاريخ، وتعيد طرح أسئلة عن مكانة الأمم وكيف تصنع احترامها عبر الزمن. وهذا ما استوقفني في زيارة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، إلى المملكة المتحدة، وما رافقها من استقبال ملكي حمل دلالات أبعد من حدود البروتوكول. في قلعة ويندسور، استشهد الملك تشارلز الثالث بقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن أهل عُمان: «لو أن أهل عُمان أتيت، ما سبّوك ولا ضربوك». ولم يكن وقع الحديث في نفوس العُمانيين نابعًا من مكانة قائله في ذلك المحفل فحسب، بل من حقيقة أن شهادة نبوية قيلت قبل أربعة عشر قرنًا ما زالت حاضرة في خطاب العلاقات الدولية. ولعل الأجدر بالتأمل أن الملك البريطاني لم يكتفِ بالإشادة بأخلاق العُمانيين، بل استحضر تاريخ ملاحتهم وتجارتهم عبر المحيط الهندي، قبل نشوء المملكة المتحدة بقرون. وهنا تتضح حقيقة كثيرًا ما تغيب عن القراءة السريعة لتاريخنا: أن عُمان لم تدخل العالم من أبواب الدبلوماسية الحديثة، فقد عرفتها البحار والأسواق والموانئ قبل ذلك بزمن طويل. لقد كانت عُمان قوة بحرية، وبلغ نفوذها في عهد السيد سعيد بن سلطان خلال القرن التاسع عشر سواحل شرق أفريقيا، وأصبحت زنجبار مركزًا مهمًا لتجارتها وحضورها السياسي. ولم تكن تلك المرحلة خالية من التعقيدات والتحديات، لكنها تكشف عن قدرة العُمانيين على التواصل مع عالم أوسع من حدودهم الجغرافية. ومنذ قيام الدولة البوسعيدية في القرن الثامن عشر، تعاقبت مراحل مختلفة من القوة والتحدي والتحول. وفي عهد السلطان قابوس بن سعيد، طيّب الله ثراه، انتقلت عُمان إلى نهضتها الحديثة، ورسخت نهجًا في علاقاتها الخارجية يقوم على الحوار واستقلال القرار. واليوم، يواصل جلالة السلطان هيثم بن طارق بناء الدولة وتطوير مؤسساتها، مستندًا إلى ذلك الإرث، وموجهًا اهتمامه إلى الاقتصاد والتعليم وتمكين الأجيال. ومن اللافت أن خطاب الملك تشارلز جمع بين تقدير التاريخ العُماني والإشادة بهذا التوجه نحو المستقبل. ومن وجهة نظري، فإن القيمة الأعمق لهذه الزيارة تكمن في التحول الذي عرفته عُمان عبر تاريخها؛ فقد كان اتساع النفوذ البحري أحد وجوه قوتها في الماضي، بينما أصبحت الثقة السياسية والقدرة على الحوار من أبرز وجوه حضورها اليوم. وهنا يستحق الحكم البوسعيدي، الممتد منذ نحو 280 عامًا، وقفة تقدير لما شهده الوطن في عهوده المتعاقبة من حفاظ على الدولة وتجديد لبنائها. غير أن الاعتزاز بشهادة النبي الكريم لأهل عُمان يحمّلنا مسؤولية لا تقل أهمية عن الفخر بها. فالأخلاق التي صنعت سمعة الأجداد ينبغي أن تظهر في سلوك الأبناء، وفي مؤسسات الدولة، وفي تعاملنا مع الناس. لقد عرفت عُمان اتساع النفوذ، وتعرف اليوم عمق التأثير؛ وبين الأمس واليوم بقيت الأخلاق إرثًا لا تقاس قيمته بحدود الجغرافيا، بل بقدرة الأجيال على صونه.

شارك الخبر: