عُمان
سياسة

من صحار إلى بكين: الحزام والطريق كبوصلة التحول التاريخي في ظل التغيرات العالمية

الرؤية٨ نوفمبر ٢٠٢٦ في ١٠:١٥ ص0 مشاهدة
من صحار إلى بكين: الحزام والطريق كبوصلة التحول التاريخي في ظل التغيرات العالمية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "من صحار إلى بكين: الحزام والطريق في زمن التحوّل التاريخي | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ نوفمبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بقلم: الدكتورة جمالات عبدالرحيم – باحثة سياسية – جريدة الرؤية العُمانية

في الخامس من نوفمبر عام 2026، شهدت الولايات المتحدة الأمريكية تحولًا تاريخيًا؛ إذ عبر الشعب الأمريكي عن رأيه للرئيس دونالد ترامب، معلنًا أنهم سادته لا هو. نتيجة لذلك، خسر ترامب مجلس النواب، وفقد حزبه أغلبيته، وضاعت منه كل المفاتيح التي ظن أنه يمتلكها، كما امتلكها قارون من قبل. وفي الثالث من نوفمبر من العام نفسه، اجتمع مئتا صحفي من مئة دولة في مدينة فوتشو الصينية للاحتفال بانطلاق منتدى الحزام والطريق للتعاون الإعلامي. في واشنطن، كان هناك فلاح يضرب البقرة، وفي فوتشو كان هناك فلاح يطعم البقرة. هذا هو الفرق الجوهري بين أمريكا والصين، وبين السياسة والاقتصاد. فهل يمكن فصل السياسة عن اقتصاد أي دولة؟ السياسة هي الفلاح، والاقتصاد هو البقرة، والتنمية هي اللبن. فهل تنتج البقرة لبنًا دون أمل وبيئة واهتمام وعشب مناسب؟ وهل تنتج اللبن دون فلاح يطعمها، وطبيب بيطري يعالجها، وعامل ينظف حولها؟ بالطبع لا، فالبقرة ستموت.

أولًا: المحور السياسي

كيف يذهب ترامب إلى الخليج ويطلب المليارات؟ ذهب ترامب إلى دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، مطالبًا بمليارات الدولارات، متصرفًا كملك جبار، هو ونظامه. لم يذهب كضيف، بل كتاجر حماية، معلنًا: أنا أحمي عروشكم من إيران، ومن الربيع العربي، ومن شعوبكم. وثمن هذه الحماية هو المليارات. وهذا ليس طلبًا، بل ابتزاز دبلوماسي، حيث كان البديل الذي يقدمه هو: إن لم تدفعوا، فسأرفع يدي عنكم، وأترك إيران تضربكم. وقد نجح في هذا الأسلوب عام 2017، حين حصل على 460 مليار دولار من السعودية، ونجح في عام 2025، حين حصل على 600 مليار دولار من السعودية، و1.4 تريليون دولار من الإمارات. وجعل نفسه الملك الجبار لأنه جمع بين سلطات المال والسلاح والتشريع، معلنًا: أنا الملك، وأنا القانون. ومن يخالفني أتهمه بالخيانة. وأعلن ترامب الحرب على إيران، ورغب في نسب مضيق هرمز لنفسه، وفرض الحظر على إيران، وهدد أي دولة تتعامل معها، قائلًا: من يشتري النفط الإيراني سأفرض عليه عقوبات وأدمره. ولكن مضيق هرمز ليس مضيقًا أمريكيًا؛ إنه مضيق عُماني إيراني، شماله إيران وجنوبه عُمان. ويمر عبره 20% من نفط العالم يوميًا، و30% من الغاز الطبيعي المسال. فلماذا يريد ترامب أن ينسبه لنفسه؟ لأن من يسيطر على المضيق يملك عنق التجارة العالمية. كما تبنى ترامب ووزير الحرب سياسات تتعلق بالتطبيع، وطبقا مواقف تتعارض مع الشريعة الإسلامية، داعيين إلى التطبيع مع إسرائيل ونسيان غزة وفلسطين. ومن يرفض سياسة ترامب يتعرض للتدمير والاتهام بالشيوعية، حتى إنه اتهم الإسلام بالإرهاب. فماذا يكون هو، حتى تعرفه الأجيال وتتحدث عن خطته التي يسعى إلى تنفيذها؟ إن من يكتشف حقيقة هذا النظام قد يبكي على نفسه ومدينته وبلده ومستقبله وحريته؛ لأن نظام ترامب يتسم بالتطرف، وقد أراد تحقيق نصر لنفسه لإرضاء المتطرفين في اللوبي الصهيوني في أمريكا وإسرائيل. فكيف يريد أن يقتل السني والشيعي، وينتظر نزول المسيح، ويخلط السياسة بالدين الإبراهيمي المتطرف الذي يتبناه؟ وكيف يُلزم قادة العرب بهذا الدين ويدفعهم إلى التطبيع مقابل بيع السلاح لهم، بينما لا يستخدمون هذا السلاح لضرب إسرائيل، بل لضرب كل من يعاديها؟ فأين حوار الصحفي العربي الجريء، إذا سافر إلى أمريكا وتحدث مع ترامب ونوابه ووزير الحرب الذي يعادي الإسلام، سنّة وشيعة، ويرسم علامة الكفر والصليب على ذراعيه؟ وكأنهم البشر المميزون على الأرض دون غيرهم من البشر. فهل هؤلاء بشر، وبقية الناس حيوانات أو أصنام لا تتحدث؟ أين حرية الصحافة في أمريكا، التي يذهب إليها العالم كله طلبًا للعلم والتعليم والاستثمار والتجارة وكل شيء؟ كيف جعل هذا الرئيس العنصري أمريكا وكأنها ملك له، حتى أصبحت بلاده معزولة؟ وكيف أصبحت كلمة «شيوعي» وسيلة يرعب بها كل من يعارض أوامره؟ هذه ليست كلمة عادية، بل تعود إلى زمن الحرب بين أمريكا والاتحاد السوفيتي، من عام 1947 إلى عام 1991. حين كانت أمريكا تريد تدمير أي إنسان، كانت تصفه بأنه شيوعي. وحين تريد اليوم استهداف أي دولة، تصفها بالشيوعية، أو بأنها صديقة للصين أو لآسيا. إن كلمة شيوعي ترتبط بعدد من الدول الآسيوية؛ فالصين دولة شيوعية، وكذلك فيتنام وكوريا الشمالية. وحين يقول ترامب لشخص أو دولة: أنت شيوعي، فكأنه يقول: أنت مع آسيا وضد أمريكا. ومن هنا خاف العرب. خافوا أن يتهمهم ترامب بالشيوعية، فيقطع عنهم السلاح والحماية. فدفعوا، وسكتوا، وطبّعوا. ولكن عُمان لم تدفع؛ لأن عُمان قالت: نحن لا نحتاج إلى حماية ترامب، فنحن نحمي أنفسنا بالحكمة، وبالجوار مع إيران، وبالصداقة مع الصين. وقالت عُمان لأمريكا: أنت صديقنا، ولكنك لست سيّدنا. وقالت للصين: أنت شريكنا، ولكنك لست سيّدنا. وقالت لإيران: أنت جارنا، ولكنك لست سيّدنا.

ثانيًا: المحور الاقتصادي

من أين يأتي المال؟ حين يطلب ترامب المليارات من الخليج، فإن المال لا يأتي من جيب الحاكم وحده، بل يأتي من أربعة مصادر: أولًا: النفط والغاز. تبيع السعودية أكثر من 9 ملايين برميل من النفط يوميًا. وبسعر 70 دولارًا للبرميل، يعني ذلك 630 مليون دولار يوميًا، أي نحو 230 مليار دولار سنويًا من النفط فقط. ثانيًا: الصناديق السيادية. تمتلك السعودية صندوق الاستثمارات العامة، الذي تتجاوز أصوله 900 مليار دولار. ولدى الإمارات صندوق مبادلة، الذي تتجاوز أصوله 300 مليار دولار، وقطر جهاز قطر للاستثمار، الذي تتجاوز أصوله 450 مليار دولار. هذه الصناديق هي خزائن البقرة ومدخرات الأجيال، وليست أرباح سنة واحدة. ثالثًا: السندات الأمريكية. تشتري دول الخليج سندات الخزانة الأمريكية؛ أي إنها تقرض أمريكا أموالًا تستخدمها في تمويل احتياجاتها، ومن بينها الإنفاق العسكري، ثم تبيع أمريكا السلاح لدول الخليج بهذه الأموال. إنها دائرة مغلقة: الخليج يعطي أمريكا المال، وأمريكا تبيع الخليج السلاح، والخليج يدفع ثمن السلاح من الأموال التي استثمرها في الولايات المتحدة. رابعًا: رفع أسعار الخدمات على المواطن. حين تدفع الدولة المليارات لترامب، فإنها قد تعوّض النقص برفع أسعار البنزين والكهرباء والضرائب على المواطن الخليجي. ولذلك أصبح المواطن الخليجي فقيرًا، رغم أن دولته غنية. فالفقير هو من يدفع فاتورة الحماية. وبسبب حرب ترامب وإسرائيل على إيران وغزة، تضررت التجارة، وارتفعت أسعار الشحن عبر البحر الأحمر، وتراجعت السياحة في الأردن ولبنان ومصر، وارتفعت أسعار الغذاء، وأصبح العرب يدفعون فاتورة حروب ليست حروبهم. وأصبحوا فقراء، ولا يوجد فقيه ينصحهم؛ لأن الفقيه الحقيقي هو الذي يقول للحاكم: لا تدفع. ولكن الفقيه اليوم أصبح موظفًا عند الحاكم، لا ينصحه، بل يبرر له. أما الصين، فقد فعلت العكس. حين ذهبت إلى عُمان، لم تقل: ادفعي، بل قالت: لديكِ الدقم؟ سأبنيها معكِ. وحين ذهبت إلى أفريقيا، لم تقل: أعطيني بترولكِ، بل قالت: لديكِ طريق؟ سأرصفه لكِ. إن التبادل التجاري بين عُمان والصين بلغ 5 مليارات و377 مليون ريال عُماني في سبعة أشهر فقط من عام 2026. وزادت الصادرات العُمانية غير النفطية إلى الصين بنسبة 36.18%. وبلغ الاستثمار الصيني المباشر في عُمان 903 ملايين و800 ألف ريال عُماني، وهو في تزايد مستمر. وفي زيارة جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم إلى بكين، في أول زيارة دولة لسلطان عُماني إلى الصين، وقّع البلدان أكثر من 30 اتفاقية ومذكرة تفاهم، وهي الأضخم في تاريخ العلاقات بين البلدين. لم يكن السلطان ذاهبًا ليطلب لبنًا، بل كان ذاهبًا ليطلب عشبًا.

ثالثًا: المحور العسكري

من يحمي من؟ لقد كانت أمريكا تبيع السلاح للخليج وتقول: هذا السلاح سيحميكم من إيران. ولكن السلاح الأمريكي لم يحمِ غزة، ولم يحمِ لبنان، ولم يمنع الحرب. أما الصين، فلم تركز على بيع السلاح، بل على بناء القطار والميناء والجسر. وقالت: البناء يحمي أكثر من السلاح. إن الحزام والطريق ليس مشروعًا عسكريًا، بل هو مشروع ذو أبعاد أمنية. فالأمن الحقيقي ليس أن تملك صاروخًا، بل أن تملك ميناءً وطريقًا ومستشفى ومدرسة. فالأمان أهم من القوة. وسلطنة عُمان فهمت هذا الدرس. لم تشترِ السلاح لتضرب إيران، بل بنت الدقم لتربط العالم. وعُمان هي الدولة الوحيدة في الخليج التي تربطها علاقات جيدة بأمريكا وإيران والصين في الوقت نفسه. وهذا ليس ضعفًا، بل قوة.

رابعًا: المحور الفني والثقافي

من يكتب التاريخ؟ في مدينة فوتشو، عاصمة مقاطعة فوجيان، التي تُعد من أبرز محطات طريق الحرير البحري، والتي تولّى الرئيس الصيني شي جين بينغ منصب حاكمها لمدة 17 عامًا، اجتمع الصحفيون. وكانت جريدة «الرؤية» من أوائل المؤسسات الصحفية العُمانية التي أرست أسسًا للتعاون المستدام مع مجموعة الصين للإعلام وصحيفة الشعب اليومية. لم تقل الصين للصحفي العُماني: اكتب ما أريد، بل قالت له: تعال وشاهد بنفسك. أمريكا تخاف من الصحفي، والصين تستضيف الصحفي. أمريكا تقول: الإعلام عدو، والصين تقول: الإعلام جسر. إن الفن والثقافة هما اللذان يكتبان التاريخ. والتاريخ العُماني الصيني يعود إلى نحو 1200 عام. ففي عام 750 ميلادية، أبحرت سفينة عُمانية من صحار ووصلت إلى ميناء كانتون في الصين. وفي القرن الخامس عشر، وصل البحّار الصيني تشنغ خه إلى ظفار. وفي عام 1978، أُقيمت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وفي عام 2018 أُعلنت الشراكة الاستراتيجية، وفي عام 2026 شهدت العلاقات زيارة الدولة الأولى لجلالة السلطان إلى الصين. إن عُمان لم تكتشف الصين في عام 2026؛ فالصين تعرف عُمان منذ نحو 1200 عام.

خامسًا: المحور التخطيطي

كيف تفكر الدول؟ الدول الذكية، مثل عُمان، لا تتحرك بالشعارات، بل تطرح خمسة أسئلة: من المستفيد من الحرب؟ ليست غزة، وليست إيران، وليست السعودية. المستفيد، وفق هذا الطرح، هو شركات السلاح الأمريكية وشركات النفط الأمريكية. من يدفع الفاتورة؟ ليست أمريكا، بل العرب؛ فهم يدفعون ثمن السلاح والحماية وارتفاع الأسعار. من يملك المضيق؟ ليست أمريكا، بل عُمان وإيران. من هو الفقيه؟ الفقيه ليس من يقول: ادفع وطبّع، بل من يقول: لا تدفع للظالم، ولا تطبّع مع القاتل. ما البديل؟ البديل هو الحزام والطريق، والبديل هو الفلاح الحكيم؛ أي أن تطعم البقرة أولًا، ثم تحلبها، لا أن تحلبها ثم تذبحها. تحرّك الشعب الأمريكي كان مطلوبًا في الخامس من نوفمبر عام 2026، قال الشعب الأمريكي لترامب: أنت لا تطعمنا، ولا تطعم حتى البقرة، ولا تقدر قيمة الفلاح والأرض، بل تأخذ لبننا وتنسبه إلى نفسك، كما فعل قارون. فخسر ترامب. وفي الثالث من نوفمبر عام 2026، قال الشعب الصيني للعالم: نحن فلاحون حكماء، نطعم البقرة، وننظف ما حولها، ونأتي لها بالطبيب، ثم نحلبها ونوزع اللبن على الجميع. إن التحوّل التاريخي في السياسة الأمريكية لا يتحقق بالشعارات، بل يحتاج إلى أفعال؛ كما أن الحزام والطريق له أركان لا بد أن تكتمل حتى يحقق أهدافه. إن الحزام والطريق ليس مشروعًا اقتصاديًا فحسب، بل هو مشروع سياسي أيضًا؛ لأن السياسة جزء من الاقتصاد، والاقتصاد جزء من السياسة، والفلاح جزء من البقرة، والبقرة جزء من الفلاح. ومن دون الفلاح تموت البقرة، ومن دون البقرة يجوع الفلاح، ويجوع الشعب. ومن صحار إلى بكين، ومن فوتشو إلى واشنطن، ومن الدقم إلى مضيق هرمز، يمكن للعالم أن يفهم الدرس: الأمان أهم من القوة، والعلم أهم من المال، والخلية أهم من التاجر، والعشب أهم من الحليب؛ لأن الحليب يأتي من العشب، لا من الضرب أو القسوة.

شارك الخبر: