سور الصين العظيم وعبق اللبان العماني: رحلة عبر التاريخ والتجارة


هذا الخبر بعنوان "سور الصين العظيم برائحة اللبان | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ نوفمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يمتد سور الصين العظيم عبر سفوح الجبال، متعرجًا مع تضاريسها، كأنه إرث بشري خالد. عند الوقوف أمامه، تأخذنا الحجارة إلى عصور غابرة، إلى الأيدي التي تعاقبت على بنائه والأجيال التي مرت، تاركة وراءها قصة تتجاوز أعمارها. السور ليس مجرد بناء شاهق، بل هو ذاكرة أمة نقشت تاريخها على امتداد الجبال.
على مسافة بعيدة من تلك الجبال، فتح البحر دروبًا أخرى لحكايات قديمة. سفن عمانية، انطلقت من ظفار حاملة اللبان، ذلك العطر الذي وصل إلى ممالك ومدن بعيدة عبر طرق التجارة القديمة، ليصبح جزءًا من ذاكرة العالم. ربما لم يعرف مستقبلوه الكثير عن أرضه، لكن رائحته كانت تصل أبعد من السفن.
هنا، يلتقي مشهدان من زمن سحيق في المخيلة: سور يروي قصة أمة على اليابسة، وسفن تحمل قصة أمة أخرى عبر البحر. تفصل بينهما مسافات شاسعة، لكنها لم تكن بعيدة عن الروابط التي نسجتها التجارة والرحلات، حين كانت الشعوب تتعارف بما تحمله سفنها وما تتبادله من سلع ومعارف.
لم تكن الحجارة وحدها ما تركته الصين من إرثها القديم؛ فخلف السور مدن ومعابد، وعلوم وفنون، واكتشافات أثرت في مسيرة الإنسانية، وشبكات تجارية عبر طريق الحرير، جعلت الصين حاضرة في ذاكرة العالم لقرون.
المدهش ليس ما بقي من الماضي، بل قدرة الصين على الانتقال منه إلى حاضر جديد، وإعادة صياغة حضورها في عالم متغير. فالصين التي نقرأ آثارها التاريخية، نراها اليوم قوية في الصناعة والاقتصاد والتقنية، مؤكدة أن الأمم لا تعيش على أمجادها وحدها، بل بما تضيفه إلى حاضرها.
على الضفة الأخرى، تقف عُمان بذاكرتها الممتدة وحضورها الذي لم تصنعه الجبال وحدها، بل حملته السفن إلى ما وراء البحار. انطلقت الرحلات من موانئها، ووصلت القوافل إلى سواحلها، وظلت صلتها بالبحر أكثر من مجرد عبور؛ كانت معرفة بالعالم، واتصالًا بشعوبه، وتبادلًا أثر في مسيرة البلاد. لم تحمل سفنها البضائع فقط، بل حملت معرفة البحار وأخبار الشعوب.
أجمل ما في تاريخ عُمان أنها لم تكن حكاية مكان منعزل، بل أرض عرفت أن العالم أوسع من جغرافيتها، وأن التواصل مع الآخرين جزء من تكوينها. عند وضع الحكايتين جنبًا إلى جنب، لا نبحث عن أوجه الشبه والاختلاف، بل نتأمل مسارين طويلين، لكل منهما خصوصيته وما يقدمه للعالم. التاريخ ليس ملكًا لأمة دون أخرى، ولا تنفرد حضارة بحمل مفاتيح المعرفة.
ربما تتكرر الحكايات بين الشعوب، لكن معانيها لا تتكرر بالضرورة؛ فلكل زمن أسئلته، ولكل جيل طريقته في الإجابة عنها. المسافة التي قطعتها الحكايتان عبر الزمن تمنح زيارة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق بن تيمور المعظم إلى جمهورية الصين الشعبية معناها الأعمق. إنها ليست مجرد انتقال، بل لقاء بين بلدين يحمل كل منهما ذاكرة حضارية عريقة، ويعيش تجربة معاصرة، ويتطلع إلى مستقبل التعاون.
عندما يلتقي تاريخ عُمان بتاريخ الصين، لا نستعيد صفحات مضت فحسب، بل نفتح صفحة جديدة، نقرأ فيها ما يمكن أن تصنعه الرؤية حين تلتقي بالتجربة والطموح. تتبع عُمان نهج الحياد والحوار، وتجعل من التواصل جسرًا لعلاقاتها. الاقتصاد بدوره يحتاج إلى رؤية تقرأ التحولات قبل أن تحدث، وتدرك أن مكانة الدول تقاس بقدرتها على توظيف مواردها، وبما تنسجه من علاقات وشراكات.
تبرز أهمية التوجه نحو الصين؛ فالأمر لا يتعلق بحجم اقتصادها أو تقدمها الصناعي والتقني، بل بتجربة تستحق التأمل في قدرتها على الانتقال إلى موقع متقدم في الاقتصاد العالمي. اختيار الصين كوجهة يعكس قراءة لموازين العالم الجديدة، وإدراكًا بأن بناء المستقبل يتطلب الانفتاح الواعي على التجارب، واختيار الشراكات التي تتوافق مع تطلعات عُمان.
نتجه إلى الصين لا لنبحث عن حكاية تشبه حكايتنا، بل لنلتقي بحكاية أخرى، نتبادل معها الخبرة والمصلحة والطموح. عُمان، بموقعها الجغرافي وتاريخها التجاري ومقوماتها الاقتصادية، لديها ما تقدمه وتستفيد منه. الشراكات الحقيقية تقوم على مصالح متبادلة ورؤية تدرك قيمة كل طرف. العلاقات التي تعيش على ذكريات الأمس تظل حبيسة الذاكرة، أما تلك التي تستثمر التاريخ والخبرات وتبحث عن مصالح مشتركة، فهي الأقدر على صنع مكان لها في الغد.
الحكاية التي بدأت بسور الصين العظيم وسفن عُمان حملت عطر ظفار، لا ينبغي أن تبقى أسيرة الذاكرة. الأمم التي عرفت طريقها إلى العالم قديمًا، تستطيع أن تجد في حاضرها طرقًا جديدة للقاء والتعاون. قد لا يعرف الذين سيكتبون حكايات الغد تفاصيل هذه الزيارة، لكنهم قد يجدون في آثارها ما يدل على أن عُمان والصين لم تلتقيا عند حدود التاريخ، بل جعلتا من ذلك التاريخ بداية لصفحة أخرى.
حفظ الله عُمان وأهلها، وحفظ مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، وأدام على الوطن عزّه وأمنه وازدهاره.
اقتصاد
سياسة
اقتصاد
اقتصاد