التطوير أم التحول؟ رسالة إلى الوزير حول دعم صناع الأمن الغذائي في عُمان


هذا الخبر بعنوان "المسافة الدقيقة بين التطوير والتحول | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣١ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يا معالي الوزير، ليست كل حركة تقدمًا، ولا كل نشاط تحولًا، ولا كل إنجاز دليلًا على صحة المسار. هناك مؤسسات تعمل كثيرًا وتنتج كثيرًا، لكنها تظل تدور في فلك فكري واحد، تتغير أدواتها ومبادراتها ومفرداتها، بينما تبقى فلسفتها عصية على المراجعة. يكمن التعقيد في تحول النهج من وسيلة إلى غاية، ومن اختيار قابل للمراجعة إلى مسلّمة لا تقبل المساءلة. فالنهج ليس حقيقة أبدية، بل اجتهاد بشري في سياق معين، وما كان صالحًا في مرحلة قد يصبح قاصرًا في أخرى، وما استجاب لتحديات الأمس قد يصبح عائقًا للغد بفعل تغير الواقع.
للأسف، لا تتعامل بعض المؤسسات مع أفكارها بهذه المرونة. قد تتحول الممارسة المتكررة إلى ثقافة، والثقافة إلى بنية ذهنية دائمة، ثم تصبح هذه البنية مرجعًا يفسر الواقع، بدلًا من أن يُعاد النظر فيها على ضوء الواقع نفسه. ومع مرور الوقت، لا يصبح الإشكال في نقص الأدوات، بل في العقل الذي يستخدمها، ولا في غياب المبادرات، بل في التصورات التي تحدد طبيعتها واتجاهها. فحين تُدار التحديات الجديدة بعقلية قديمة، لا يكون التجديد سوى إعادة إنتاج للمألوف بأشكال أكثر حداثة. تنجح المؤسسة في تحسين أدائها دون مراجعة فلسفتها، وتطور آليات التنفيذ دون إعادة النظر في غاياته، وتحقق نتائج ملموسة دون اختبار مدى ملاءمة الطريق.
هذه هي المسافة الدقيقة بين التطوير والتحول. فالتطوير يحسن ما هو قائم، أما التحول فيمتلك شجاعة التساؤل عما إذا كان القائم نفسه يحتاج إلى إعادة تأسيس. ولعل أخطر ما يواجه العقل المؤسسي هو الخلط بين الاستمرارية والصواب، وبين الخبرة والعصمة، وبين المحافظة على المكتسبات والتمسك بالوسائل التي أنتجتها. الخبرة التي لا تتجدد تتحول إلى ذاكرة مغلقة، والنجاح الذي لا يخضع للمراجعة قد يصبح ذريعة للاستمرار، والاستقرار الذي لا يسمح بالاختلاف قد ينتهي إلى جمود يتخفى وراء انتظام العمل.
ليست كل المؤسسات أسيرة ذات النهج لافتقارها للكفاءات أو الإمكانات، بل قد تكون المشكلة أعمق. قد تمتلك المؤسسة الموارد الكافية، والخبرات المؤهلة، والأدوات الممكنة للتقدم، لكنها تظل محكومة بسقف فكري لا تسمح لنفسها بتجاوزه. التغيير الحقيقي لا يبدأ دائمًا بإضافة مورد أو استحداث إجراء، بل قد يبدأ بإعادة النظر في السؤال الذي تنطلق منه المؤسسة أصلًا: ما الغاية التي نعمل من أجلها؟ هل نقيس النجاح بما ننجزه أم بما نغيره؟ وهل نملك الاستعداد والجرأة للتخلي عن فكرة اعتدنا الدفاع عنها إذا أثبت الواقع عدم صلاحيتها؟ هذه أسئلة تتصل بجوهر الوعي المؤسسي، والإجابة عنها تحدد قدرة المؤسسة على الانتقال من إدارة الواقع إلى إعادة تشكيله.
كثرة الإنجازات، على أهميتها، لا ينبغي أن تتحول إلى منطقة آمنة تحتمي بها المؤسسات من مراجعة ذاتها. فالإنجاز يجيب عن سؤال ما تحقق، لكنه لا يجيب وحده عن سؤال ما كان ينبغي أن يتحقق، ولا عما فات تحقيقه، ولا عما إذا كانت الأولويات قد وُضعت في مواضعها الصحيحة. التجديد هو امتلاك الجرأة الفكرية على مراجعة المسلمات التي حكمت العمل لسنوات، وقبول أن بعض ما اعتدنا اعتباره صحيحًا قد يحتاج إلى تصحيح جذري. الفرق بين مؤسسة تتحرك ومؤسسة تتقدم هو أن الأولى قد تنشغل بإدامة ما اعتادت فعله، بينما تملك الثانية القدرة على مساءلة أسباب فعلها، ومراجعة اتجاهها، وإعادة تعريف أولوياتها كلما تغيرت شروط الواقع.
التاريخ لا يكافئ المؤسسات على وفائها لأساليبها القديمة، بل على قدرتها على فهم الزمن الذي تعمل فيه. المستقبل لا يُصنع بتكرار إجابات الماضي، بل بامتلاك الشجاعة لطرح أسئلة جديدة، حتى وإن كانت الإجابة عنها تستلزم التخلي عن قناعات راسخة. المؤسسة التي لا تسائل أفكارها قد تستمر في العمل، لكنها لا تضمن أن عملها يصنع مستقبلًا مختلفًا. والتي لا تراجع مسارها قد تقطع مسافات طويلة دون أن تنتبه إلى أنها تتحرك داخل الدائرة نفسها. العبرة ليست في مواصلة السير، بل في امتلاك الشجاعة لنسأل، بين حين وآخر: هل ما زلنا نسير في الاتجاه الذي ينبغي أن نسير فيه؟ أعظم أشكال الجمود ليس توقف الحركة، بل استمرارها دون مراجعة الفكر الذي يحدد وجهتها.
تكنولوجيا
ثقافة
اقتصاد
اقتصاد