الصين وعُمان: رحلة عبر التاريخ والجغرافيا لتبادل حضاري وثيق


هذا الخبر بعنوان "استحضار تاريخ التبادلات الودية بين الصين وعُمان | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣١ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتواصل الحضارتان العُمانية والصينية برًا وبحرًا، وتتجاوز أواصر الصداقة الجبالَ والبحار. وعلى الرغم من المسافة الشاسعة التي تفصل بين الصين وسلطنة عُمان، فإن التبادلات الودية بين الشعبين تمتد جذورها عميقًا في التاريخ. انطلاقًا من مبادئ الاحترام المتبادل والتعامل على قدم المساواة وتحقيق المنفعة المشتركة، أبحر أبناء الشعبين عبر البحار، وتبادلوا السلع، وعزّزوا التفاهم، وساهموا معًا في كتابة صفحات خالدة من تاريخ التواصل الحضاري والاستفادة المتبادلة. سواء تعلق الأمر بطريق الحرير البحري أو بطريق اللبان، فإن الروابط التاريخية التي جمعت الصين وعُمان على مدى آلاف السنين تمثل رافدًا مهمًا للعلاقة الثنائية الودية، وتشكل ثروة تاريخية مشتركة يعتز بها شعبا البلدين ويحرصان على صونها.
1. انطلاقًا من التبادل التجاري: السفينة "صحار" تفتتح فصلًا جديدًا في التواصل بين الصين وعُمان
كان شقّ الطرق البحرية نقطة انطلاق مهمة للتعارف والتواصل بين الشعبين الصيني والعُماني. فمنذ أكثر من ألفي عام، أقامت الصين والعالم العربي روابط واسعة عبر طريق الحرير البري. ومع تطور التجارة البحرية لاحقًا، ازدادت أواصر التواصل بين المدن الساحلية الصينية والمناطق الساحلية العُمانية، ووفّرت حركة السفن التجارية ظروفًا مواتية لاستمرار التواصل والتفاعل بين شعبي البلدين. في القرن السادس الميلادي، سجّل الجغرافي الصيني في عهد أسرة تانغ، جيا دان، الطريق البحري الممتد من قوانغتشو إلى منطقة صحار العُمانية حاليًا. وفي عام 750م، انطلق الملاح العُماني أبو عبيد من صحار في رحلته البحرية الطويلة التي وصل بها إلى قوانغتشو، وأصبحت هذه الرحلة معلمًا في تاريخ التواصل البحري بين الصين والعالم العربي. صحار، من جهة، كانت ولا تزال أحد الموانئ البحرية المهمة في عُمان، وقوانغتشو، من جهة أخرى، كانت ميناءً تجاريًا رئيسيًا في الصين. وقد ترابطت المدينتان عبر أمواج البحر، وشكلتا شاهدًا حيًا على المسيرة التي تقدّم فيها شعبا البلدين من التعارف إلى التفاهم. وبعد أكثر من ألف عام، تدوم هذه الذكرى التاريخية بصورة حية في العصر الحديث، واستعادت بريقًا جديدًا بفضل الرحلة البحرية للسفينة "صحار". ففي نوفمبر عام 1980، أبحرت السفينة العُمانية الشراعية الخشبية "صحار"، التي شُيّدت على طراز السفن القديمة، على المسار البحري الذي سلكه الملاح العُماني أبو عبيد في رحلته التاريخية. وبعد بضع سنوات، أُقيم نصب تذكاري للسفينة "صحار" في مدينة قوانغتشو، لتغدو بذلك رابطة صداقة ملموسة وقابلة للتوارث، تجمع بين المدينتين وحتى بين الشعبين الصيني والعُماني.
2. الازدهار عبر التبادل الثقافي: طريق اللبان يدفع مسيرة التواصل بين الصين وعُمان
وبحلول عهد أسرة سونغ، ازدهرت تجارة التوابل في الصين. وعبر اللبان العُماني المحيط الهندي متجهًا إلى الصين، مما أسهم في اندماج عُمان بصورة أوثق في شبكة التبادل الاقتصادي مع الصين. ولم تقتصر أهمية التجارة على تبادل السلع. فقد أسهم تدفق السلع، من التوابل والخزف وغيرهما، في تنشيط حركة الأشخاص وتبادل المعلومات وتعزيز التواصل والتفاعل بين الحضارتين. وقد أرست حركة التجارة البحرية المزدهرة المتواصلة أساسًا راسخًا للتواصل طويل الأمد بين شعبي البلدين، وأسهمت في تعميق فهم كل من الحضارتين الصينية والعُمانية للأخرى. وقد سجّل الجغرافي الصيني في عهد أسرة سونغ الجنوبية، تشاو روشي، في مؤلفه «تشو فان تشي» (وصف البلدان الأجنبية)، عددًا من البلدان الخارجية التي كانت معروفة لدى الصينيين في ذلك العصر، ومن بينها مملكة "ونغمان"، وهي عُمان حاليًا، حيث أشار على وجه الخصوص إلى ما كانت تشتهر به من التمور واللؤلؤ والخيول وغيرها من المنتجات. ويُثبت ذلك بوضوح أن معرفة الصينيين القدماء بعُمان لم تكن مجرد معرفة مستندة إلى الأنباء والروايات المتناقلة، بل تشكّلت تدريجيًا من خلال التبادل والتواصل المستمرين بين الجانبين. ومن ثم، فإن طريق اللبان لم يكن مجرد طريق لنقل السلع، بل كان أيضًا طريقًا حضارية، تربط بين المجتمعات المختلفة وتعزز التفاهم بينها.
3. الامتداد إلى التبادل الحضاري: الرحلات البحرية السبع لتشنغ خه تقيم معلمًا في تاريخ التواصل بين الصين وعُمان
كانت الرحلات البحرية السبع التي قام بها الملاح الصيني تشنغ خه في عهد أسرة مينغ فصلًا مهمًا في تاريخ التواصل بين الصين والعالم العربي في العصور القديمة. ووفقًا لما أوردته مواد ذات صلة بالمتحف الوطني العُماني، زار أسطول تشنغ خه تباعًا مسقط وظفار في عُمان، مما أسهم في توسيع نطاق الروابط التجارية بين الصين وعُمان. كما سجل كتاب «تاريخ أسرة مينغ ــ سير البلدان الأجنبية» تبادل الزيارات والبعثات الرسمية الودي بين أسرة مينغ وما هو منطقة ظفار العُمانية حاليًا. وتكمن الأهمية البارزة لرحلات تشنغ خه في أنها ساهمت في ارتقاء الروابط التاريخية بين الصين وعُمان إلى ما يتجاوز مجرد التبادل التجاري، لتشمل الثقة الرسمية والتواصل السياسي، مجسدة تقليدًا عريقًا في العلاقات بين الدول يقوم على المعاملة المتساوية والمنفعة المتبادلة. وبعد أكثر من ستة قرون، لا يزال هذا الإرث التاريخي متواصلًا حتى يومنا هذا، وقد شُيّدت في العصر الجديد معالم جديدة تخلّد هذه الصداقة العريقة. ففي نوفمبر عام 2022، أُقيمت مراسم وضع حجر الأساس لنصب تذكاري لتشنغ خه في محافظة ظفار في عُمان، بمشاركة الجانبين الصيني والعُماني. ويجسّد النصب التذكاري موضوع الرحلات البحرية البعيدة التي قام بها تشنغ خه وتعامله التاريخي مع عُمان، ويتكامل رمزيًا مع المعلم التذكاري للسفينة "صحار" في مدينة قوانغتشو، ليشكّلا معًا صورةً نابضة بالذكرى التاريخية الثمينة التي توثّق الإسهام المشترك للشعبين الصيني والعُماني في مسيرة بناء وتطوير طريق الحرير البحري. ويزداد عمق التاريخ حين نتشارك في حفظ ذكراه، تدوم الصداقة وتتجدد حين تقوم على التفاهم. وباستحضار مسيرة التواصل بين الصين وعُمان في العصور القديمة، نرى رابطةً حضاريةً ممتدة عبر آلاف السنين. وسواء أكانت أشرعة السفن التي كانت تجوب البحار بين صحار وقوانغتشو، أم السفن التجارية التي سلكت طريق اللبان، أم الرحلات البحرية التي خاضها أسطول تشنغ خه، فإنها جميعًا تشهد على أن التواصل الودي بين الصين وعُمان يستندان إلى جذور تاريخية راسخة وعميقة. وقد أسهم شعبا البلدين، في توسيع آفاق التنمية من خلال تبادل المنافع، وفي تعميق التفاهم من خلال التعاملات الودية، بما أتاح لهذه الصداقة العريقة أن تتجدد باستمرار، وأن تظل زاخرة بالحيوية في العصر الجديد، وأن تسهم بصورة متواصلة في إثراء الاستفادة المتبادلة بين الحضارتين. (أ.د. فو تشيمينغ، نائب عميد كلية اللغات الأجنبية بجامعة بكين، أستاذ كرسي السلطان قابوس للدراسات العربية في جامعة بكين)
ثقافة
اقتصاد
تكنولوجيا
ثقافة