العلاقات العُمانية الصينية: جسور التاريخ تمتد إلى شراكة استراتيجية واعدة


هذا الخبر بعنوان "العلاقات العُمانية الصينية.. تاريخ يتجدد | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣١ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
من ذاكرة البحار القديمة إلى آفاق الشراكة الاستراتيجية، تملك سلطنة عُمان وجمهورية الصين الشعبية رصيدًا حضاريًا وإنسانيًا يمكن أن يشكّل أساسًا لمستقبل أوسع من التعاون الاقتصادي والثقافي، ويعزّز حضور قيم السلام والتسامح والحوار في عالم تتزايد فيه التحديات. ليست العلاقات العُمانية الصينية وليدة المصالح الاقتصادية الراهنة، ولا هي مجرد امتداد لعلاقات دبلوماسية تأسست في النصف الثاني من القرن العشرين؛ إنها حكاية تواصل ضاربة في أعماق التاريخ، نسجتها أمواج المحيط الهندي، وحملتها سفن التجارة، ورسّختها المصالح المتبادلة بين حضارتين أدركتا، منذ قرون بعيدة، أنَّ الانفتاح على الآخر طريق للمعرفة والازدهار. وعندما نتأمل هذه العلاقة اليوم، فإننا لا نستحضر الماضي بوصفه صفحات من التاريخ فحسب؛ بل نستعيد رصيدًا من الخبرة الإنسانية يمكن البناء عليه لصياغة مستقبل أكثر اتساعًا، تتكامل فيه المصالح الاقتصادية مع التفاهم الثقافي، وتتلاقى فيه الرؤية السياسية مع تطلعات الشعبين إلى التنمية والاستقرار.
كان البحر، على امتداد التاريخ، أحد أهم الجسور التي ربطت عُمان بالعالم. وبفضل موقعها الجغرافي المطل على بحر العرب وبحر عُمان، وامتدادها البحري نحو المحيط الهندي، أدّت الموانئ العُمانية دورًا محوريًا في حركة التجارة بين شبه الجزيرة العربية والهند وشرق إفريقيا والصين. ولم يكن البحّار العُماني مجرد ناقل للبضائع بين الموانئ؛ بل كان حاملًا للمعرفة والخبرة والثقافة، ينقل من بلد إلى آخر السلع والأفكار والعادات، ويقيم من خلال رحلاته جسورًا من الثقة والتعارف. ومن هذا الدور البحري تشكّلت ملامح العلاقة التاريخية بين عُمان والصين، التي تعود جذورها إلى قرون مبكرة، وتوثّق المصادر التاريخية جوانب متعددة من التواصل التجاري والإنساني بين الجانبين منذ العصور القديمة. وتُشير الروايات التاريخية إلى وصول تجار عُمانيين إلى الصين في وقت مبكر، ومن الأسماء التي ارتبطت بهذه الذاكرة أبو عبيدة عبد الله بن القاسم، الذي تذكره المصادر العُمانية في سياق الرحلات التجارية إلى الصين خلال القرن الثامن الميلادي، وقد لقبه الإمبراطور الصيني بسفير النوايا الحسنة والأخلاق الحميدة. كما شكّلت الموانئ العُمانية، وفي مُقدمتها صحار ومسقط، محطات مُهمة في شبكات التجارة البحرية التي ربطت الشرق بالغرب، وأسهمت في تداول سلع اشتهرت بها المنطقة، مثل اللبان، إلى جانب منتجات الهند وشرق إفريقيا وغيرها من السلع التي وجدت طريقها إلى الأسواق الآسيوية. ولم يتوقف هذا التواصل عند حدود التجارة؛ فقد أتاح الاحتكاك المتكرر بين البحارة والتجار فرصًا للتعارف وتبادل الخبرات والمعارف، وأسهم في تكوين صورة متبادلة عن المجتمعات التي ربطتها طرق الملاحة. فالبحر الذي قد يبدو في الجغرافيا فاصلًا بين الشواطئ، كان، في التجربة العُمانية جسرًا يصل بينها. وتكتسب هذه الذاكرة التاريخية دلالة إضافية حين نستحضر الرحلات البحرية الصينية إلى المنطقة، ومنها رحلات أسطول البحّار الصيني تشنغ خه خلال عهد أسرة مينغ، التي ارتبطت بالتواصل مع موانئ في المحيط الهندي، من بينها السواحل العُمانية. كما استُعيد هذا الإرث في العصر الحديث من خلال رحلة السفينة العُمانية «صحار»، التي أبحرت في مطلع ثمانينات القرن الماضي مستلهمة طرق الملاحة القديمة وصولًا إلى الصين، في مشهد جسّد قدرة التاريخ على التحول إلى مصدر إلهام للعلاقات المعاصرة. إنَّ هذه الشواهد ليست مجرد استدعاء لزمن مضى؛ بل تذكير بأن العلاقة بين البلدين امتلكت، قبل ظهور المفاهيم الحديثة للشراكات الاستراتيجية، مقومات التواصل والاستمرارية: الجغرافيا، والتجارة، والمصالح المشتركة، والاستعداد للتعامل مع الآخر.
مع قيام العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين سلطنة عُمان وجمهورية الصين الشعبية في 25 مايو 1978، دخلت هذه الصلات مرحلة جديدة، انتقلت فيها من إرث التواصل التاريخي إلى إطار مؤسسي حديث ينظّم التعاون السياسي والاقتصادي والثقافي. وشكّل إعلان الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في مايو 2018 محطة مهمة في مسار العلاقات الثنائية؛ إذ أتاح إطارًا أوسع لتطوير التعاون وتوسيع مجالاته، بما يتناسب مع التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، والمكانة المتنامية لآسيا في التجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد الدولية. وقد برهنت السنوات الماضية على أنَّ العلاقة بين مسقط وبكين تمتلك مقومات عملية للتطور، في ظل ما يجمع البلدين من مصالح اقتصادية، وما يربطهما من اهتمام بتعزيز الاستقرار والتعاون الإقليمي والدولي. كما أن الحوار المستمر بين المسؤولين، وتبادل الزيارات، والمشاورات السياسية، تمثل أدوات ضرورية لترجمة التفاهم المشترك إلى برامج ومشروعات قابلة للتنفيذ. غير أن قيمة الشراكة الاستراتيجية لا تُقاس بمستوى العلاقات الرسمية وحده؛ بل بقدرتها على إحداث أثر ملموس في حياة المواطنين، وفتح فرص جديدة أمام المؤسسات والشركات ورواد الأعمال، وتطوير المعرفة والمهارات، وتعزيز فرص العمل، وبناء مصالح طويلة الأجل يستفيد منها الطرفان. ومن هنا، فإنَّ التحدي الحقيقي يتمثل في الانتقال بالعلاقات من مستوى التفاهم السياسي والتبادل التجاري إلى مستوى أعمق من التكامل الاقتصادي والتعاون الإنتاجي، بحيث تصبح الشراكة أكثر تنوعًا واستدامة، وأقل اعتمادًا على قطاع واحد أو نمط تقليدي من المبادلات.
وإذا كان البحر قد صنع جسور التواصل بين عُمان والصين في الماضي، فإن الاقتصاد قادر اليوم على تحويل تلك الجسور إلى مسارات للتنمية المستدامة؛ فالصين- بما تمتلكه من قاعدة صناعية وتقنية واسعة، وخبرات متقدمة في مجالات التصنيع والطاقة والتكنولوجيا والبنية الأساسية- تمثل شريكًا مهمًا لعُمان في مسيرتها نحو تنويع الاقتصاد وتعزيز تنافسيته. وفي المقابل، تتمتع سلطنة عُمان بموقع استراتيجي يربط أسواق آسيا بإفريقيا والشرق الأوسط، وبموانئ ومناطق اقتصادية وحرة يمكن أن تؤدي دورًا متناميًا في حركة التجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد العالمية. ومن شأن توظيف هذه المقومات أن يفتح أمام الشركات الصينية فرصًا جديدة للاستثمار والإنتاج والتصدير، وأن يمنح المؤسسات العُمانية مساحة أوسع للوصول إلى الأسواق والخبرات والتقنيات. وتزداد أهمية هذا التوجه في ضوء التحولات التي تشهدها سلطنة عُمان في إطار رؤية
اقتصاد
ثقافة
اقتصاد
اقتصاد