عُمان
سياسة

عُمان والحوار: كيف نحمي رصيدنا الأخلاقي في العصر الرقمي؟

الرؤية٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٧:٠٢ م0 مشاهدة
عُمان والحوار: كيف نحمي رصيدنا الأخلاقي في العصر الرقمي؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "حب الوطن لا يقاس بالإساءة إلى الآخرين | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في منطقةٍ لطالما اتسمت بالصراعات وتقاذف المصالح والأزمات، اختارت سلطنة عُمان، كمنارة للسلام، أن تبني سياستها الخارجية على أسسٍ راسخة من الحوار، واحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، مع التأكيد على حق الشعوب في تقرير مصيرها. وفي ظل العهد المتجدد لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم - حفظه الله ورعاه - تستمر السلطنة في ترسيخ نهج الاعتدال، وحسن الجوار، وبناء الثقة.

لكن التحدي اليوم يكمن في كيفية حماية هذا الرصيد الأخلاقي والقيمي من خطابات رقمية قد تتسم بالانفعال وتضر بالآخرين وبالمصالح الوطنية. إن التجربة العُمانية الفريدة لا تستمد قوتها من مواقف دبلوماسية فحسب، بل هي نابعة من إرث حضاري واجتماعي أصيل، يضرب بجذوره في عمق التاريخ، ويقوم على مبادئ التواصل، والتعايش، والانفتاح على الآخر. هذه القيم هي مسؤولية مشتركة تقع على عاتق كل مواطن، وتتجلى في سلوكه اليومي، وفي ما ينشره عبر المنصات الرقمية.

فالاعتزاز بالهوية الوطنية لا يتطلب الانتقاص من الآخرين، والولاء للوطن لا يُقاس بحدة العبارات، بل بمدى توافق المواقف مع أخلاقيات المجتمع ومصالحه. وفي عالمنا الرقمي الذي تتجاوز فيه المنشورات الحدود الجغرافية، قد لا يكون التعليق المستفز مجرد رأي عابر، بل قد يكون محاولة لجر المجتمع إلى سجالات مفتعلة، أو استدراجه إلى خطاب الكراهية، أو توظيف الانفعالات لخدمة أجندات تهدف إلى إثارة الفتنة وزعزعة الاستقرار.

الحسابات المجهولة، حتى وإن رفعت شعارات الوطنية وتزيّنت برموز الانتماء، لا تكشف عن هوياتها الحقيقية أو نواياها. قد تقف وراء بعضها أطراف خارجية، وإن لم يكن ذلك مؤكدًا. لذا، يبقى التثبت من المصادر، وعدم الانسياق وراء المحتوى المشبوه أو إعادة نشره، هو خط الدفاع الأول عن الوعي الوطني. فليس كل من يرفع شعار الوطن صادقًا في خدمته، ولا كل ما ينتشر يستحق التفاعل والاهتمام.

وفي هذا السياق، يأتي بيان النيابة العامة الأخير ليؤكد على أهمية الحذر من الانجرار وراء المنشورات والتعليقات المسيئة، والتنبه إلى التبعات القانونية لنشرها أو إعادة تداولها. فالإساءة إلى الدول أو شعوبها أو رموزها لا تبررها اختلاف المواقف، ولا تعد دليلاً على الولاء الوطني. وقد يتعرض ناشر المحتوى المسيء للمساءلة القانونية. التحذير واضح: لا تكن أداة لنشر محتوى يستهدف إثارة الفتنة أو النيل من كرامة الآخرين. تحقق من المصدر، وتريث قبل المشاركة، ولا تجعل انفعالك يخدم أجندة خفية. فالحساب المستعار لا يمنح حصانة، والكلمة المنشورة قد تتجاوز آثارها صاحبها لتضر بالمجتمع وعلاقات السلطنة بالآخرين.

لا يعني ذلك أن كل رأي مخالف هو مؤامرة، أو أن كل حساب مجهول يعمل لصالح جهة خارجية. فالتعميم لا يقل خطورة عن التضليل. المطلوب هو التفريق بين النقد المشروع والاستفزاز المتعمد، وبين الاختلاف الطبيعي ومحاولات تأجيج الانقسام.

يمكن تعزيز الوعي الوطني بتدريب طلبة المدارس على التحقق من الأخبار، وتشجيع الأسر على مناقشة المحتوى المتداول. كما تتحمل المؤسسات الإعلامية مسؤولية دعم هذا الوعي من خلال تسهيل الوصول إلى المعلومات الرسمية، ونشر إرشادات واضحة حول المسؤولية الرقمية، وتوضيح الفرق بين التعبير المسؤول والإساءة، وتقديم أمثلة عملية للتحقق من الحسابات والمصادر والصور. وينبغي أن تكون البيانات الرسمية واضحة وسريعة لتجنب انتشار الشائعات. وعلى المستخدم أن يسأل قبل التفاعل: من نشر هذا المحتوى؟ وما دليله؟ ومن المستفيد من نشره؟

في الختام، يجب أن يدرك كل مواطن عماني أنه سفير لوطنه في كل مكان وزمان، وفي كل ما يقوله وينشره. فالكلمة المسؤولة ترفع شأن عُمان، والكلمة المتسرعة قد تشوه صورتها. إن عُمان، التي أرست علاقاتها على الاحترام المتبادل، لا يليق بأبنائها الإساءة إلى الدول أو الشعوب أو الرموز. حب الوطن لا يُثبت بالتجريح، ولا يُقاس بصخب المنصات، بل بوعيٍ يرفض الاستفزاز، ومسؤوليةٍ تزن عواقب الكلمة قبل نشرها. فكن جسرًا للتفاهم لا أداة للفتنة، واجعل خطابك دائمًا شاهدًا على قيمك النبيلة وأخلاقك العالية.

شارك الخبر: