مطرح: حيث تحكي الفضة حكايات التاريخ وتتحدث الأزقة العمانية الأصيلة


هذا الخبر بعنوان "يومٌ في مطرح.. حيث تتحدث الأزقة وتروي الفضة حكايات التاريخ | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في سوق مطرح العريق، حيث يلتقي التاريخ بالحاضر، استقبلني صاحب محلٍّ بابتسامةٍ دافئة ووقارٍ عُماني أصيل. كان يرتدي دشداشته الأنيقة ويتوشح خنجره العُماني، وعمامته تزيد وجهه الممتلئ بالبِشر هيبةً وجمالًا. لم تكن البضائع المعروضة مجرد سلعٍ للبيع، بل كانت التاريخ يتنفس بين الجدران، ويتجسد في تفاصيل الفضة، ويتحدث على لسان رجلٍ ورث عن أبيه مهنةً وذاكرةً وحبًا لمطرح.
قال لي "أَختر رسول"، صاحب المحل، إن عمر المحل يبلغ مئة وسبعة وثلاثين عامًا، وأنه بدأ يساعد والده فيه منذ أن كان في السابعة من عمره، عائدًا من المدرسة ليقف إلى جانبه في السوق. حملت كلماته البسيطة حكاية أجيال وطفلٍ كبر بين أصوات الباعة ورائحة الأسواق القديمة ولمعان الفضة.
وبينما كنت أتأمل الخواتم الفضية القديمة والأقراط المزخرفة والحلي التي تحمل روح الماضي، شعرت بأن عدسة هاتفي السامسونج لن تستطيع أن تختزن كل هذا الجمال. كان المحل مكتظًا بالمجوهرات الفضية المتلألئة، كأنها عروسٌ عمانية في ليلة زفافها، تتعانق فيها الحرفة مع الذاكرة، وتروي ألوانها حكايات نساءٍ وأمهاتٍ وأجيالٍ مضت.
أوضح أختر رسول أنه يحرص على ارتداء الزي العُماني التقليدي لأنه لا يمثل محله وحده، بل يمثل سلطنة عُمان بأكملها. وأضاف أن الزوار الأجانب يرغبون في معرفة المزيد عن عُمان وثقافتها وشعبها، وهو يرى نفسه في المكان المناسب لتعريفهم ببلاده. أدركت حينها أنني أتحدث إلى سفيرٍ ثقافي لوطنه، يمارس دوره دون منصبٍ رسمي، حيث كانت خنجره وعمامته وابتسامته وحسن استقباله صفحاتٍ مفتوحة من كتاب عُمان.
في إحدى زوايا المحل، لفتت انتباهي صورٌ معلقة على الجدار تجمع أختر رسول بشخصياتٍ زارت عُمان، من بينها صورٌ مع أبناء رئيس زنجبار، وجون كيري، والفنان الكويتي عبدالله الرويشد، وشخصيات أخرى. كانت هذه الصور شواهد على أن الأسواق القديمة قد تتحول إلى ملتقى للثقافات والشعوب.
رافقني أختر رسول إلى زاوية أخرى حيث عرض صورًا أخرى، يحدثني عن أصحابها وكأنه يقلب صفحات ألبوم عائلي كبير يضم وجوهًا من العالم مرت من هنا. وقبل وقت الظهيرة، دعاني لتناول الغداء في منزله، لكنني اعتذرت لارتباطي بوقت العودة.
خرجت من محله، لكن حكايته بقيت ترافقني. تعلمت أن بعض الناس لا يبيعون البضائع وحدها، بل يحرسون الذاكرة ويحافظون على جمال الأمس في عالمٍ يركض نحو الغد. أما مطرح، فهي ليست مجرد مدينةٍ ساحلية أو سوقٍ عتيق، بل هي قصيدةٌ عُمانية كتبها البحر وحفظتها الجبال ورددتها أقدام التجار والبحارة والمسافرين على امتداد القرون.
ثقافة
سياسة
ثقافة