عُمان
ثقافة

من يوميات أسير حرب إلى انتظار ابنة: قصة إنسانية مؤثرة من أوكرانيا

الرؤية٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦ في ١٠:٥٢ ص0 مشاهدة
من يوميات أسير حرب إلى انتظار ابنة: قصة إنسانية مؤثرة من أوكرانيا

تنويه

هذا الخبر بعنوان "آنا.. وأبٌ في ذاكرة الغياب  | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تتجاوز بعض الكتب حدود المكتبات والإعلانات، لتصل إلينا عبر حكايات البشر وذاكراتهم الموجوعة وصداقات تفتح أبوابًا غير متوقعة. هكذا تعرفت على كتاب يوثق تجربة جندي أوكراني عاش الأسر الروسي، بفضل صديقتي الأوكرانية (آنا). لم يكن الكتاب مجرد سرد للأرقام والخرائط والمعارك، بل كشف عن عمق المعاناة الإنسانية التي تخلفها الحروب في حياة الجنود وعائلاتهم.

الكتاب، الذي حمل عنوان «Jingle bellZ. Документальний щоденник»، هو يوميات وثائقية للجندي الأوكراني أليكسي أنوليا. اللافت في العنوان هو إحالته إلى أغنية «Jingle Bells» المرتبطة عادةً بأجواء الأعياد والفرح، لكنها هنا تقودنا إلى عالم الأسر والعزلة والخوف، حيث تصبح الذكريات البسيطة شريان حياة يتمسك به الإنسان للبقاء متصلاً بالحياة. يروي أنوليا تجربته التي استمرت نحو عشرة أشهر في الأسر، منها 130 يومًا قضاها في الحبس الانفرادي. الكتاب، الذي يقع في 824 صفحة، ليس مجرد سرد شخصي، بل هو شهادة توثيقية عن صراع إنسان في ظروف قاسية للحفاظ على إرادته وذاكرته وهويته.

لم تقتصر علاقتي بهذه الحكاية على الكتاب وحده. فقد تعرفت على آنا قبل خمس سنوات، وظل التواصل بيننا مستمرًا، نتحدث عن أوكرانيا والحياة والحرب وجراحها. قبل أن تضطر آنا لمغادرة كييف كلاجئة، متنقلة بين الدول الأوروبية بحثًا عن الأمان، حتى استقرت في سيدني بأستراليا، حيث بدأت حياة جديدة وأنجبت ولداً إلى جانب ابنتها الكبرى بولينا من زواج سابق.

رغم البعد عن الوطن، لا يزال الإنسان يحمل ذاكرته وأشخاصها. كانت آنا كثيرًا ما تتحدث عن والدها، ميكولا أنطونوفيتش سافتشوك، مولود 15 مايو 1967، الذي كان يعمل ميكانيكيًا وسائقًا في فصيلة الدبابات الثالثة. تطوع للدفاع عن وطنه منذ اليوم الأول للغزو الروسي، وجُند رسميًا في 25 فبراير 2022. لم يستطع حبس دموعه وهو يرى بلاده تتعرض للغزو، فحمل السلاح دفاعًا عنها. في أواخر مارس 2022، اختفى والد آنا في معارك منطقة خاركيف، بعد أن وقع في الأسر مع طاقم الدبابة رقم 527 بالقرب من قرية مالا كوميشوفاخا، خلال المعارك التي امتدت بين 28 مارس و1 أبريل 2022. تشير تقارير إلى مقتل أفراد الطاقم، لكن مصير والد آنا لا يزال غامضًا لابنته، التي تنتظر معرفة الحقيقة النهائية.

تبدأ هنا حكاية أخرى مؤلمة؛ حكاية ابنة تنتظر أباها، وتحاول التعايش مع غياب يطول، متمسكة بأمل أن تكون المعلومات التي وصلتها خاطئة. تجد آنا بعض الراحة في الحديث مع أصدقاء والدها الذين يتذكرونه ويستعيدون مواقفه. هذه الأحاديث تصبح خيطًا يربط الماضي بالحاضر، ويمنح الغائب حضورًا حيًا.

تتمنى آنا، رغم كل شيء، أن يكون ما حدث خطأً في المعلومات، وأن تظهر الحقيقة بصورة مختلفة تبدد هذا الانتظار. إنها أمنية مفهومة لابنة لا تريد التخلي عن آخر مساحة من الأمل. فالانتظار يتحول إلى حالة يعيش فيها الإنسان بين ما يخشاه وما يتمنى.

تحدثت آنا أيضًا عن مأساة مدينة إزيوم، حيث كُشف في سبتمبر 2022 عن موقع دفن جماعي ضم 447 جثة ورفات، بعضها يحمل آثار عنف وتعذيب. ورغم عدم وجود دليل يربط والدها بهذا الموقع، فإن إزيوم ترتبط في ذاكرة آنا بالأيام التي اختفى فيها والدها، وبأسئلة الحرب التي لم تجد لها إجابات شافية.

رغم أن الحياة قادت آنا إلى مكان بعيد عن كييف، وأسست أسرة جديدة، إلا أن ذلك لم ينهِ انتظارها أو يطفئ محبتها لوالدها. فالهجرة قد تمنح فرصة للنجاة، لكنها لا تمحو الذكريات. بعض الأشخاص يظلون جزءًا ثابتًا منا، لا تبعدهم المسافات ولا يطويهم الزمن.

أدركت أن كتاب أنوليا لم يفتح نافذة على تجربة الأسر فحسب، بل أعادني إلى صداقة امتدت خمس سنوات، وإلى أحاديث آنا عن أبيها، وأمنيتها بأن تكون المعلومات خاطئة. بعض الكتب لا تنتهي حكايتها عند الصفحة الأخيرة؛ فقد تقودنا إلى أشخاص، وتكشف لنا جراحًا، وتجعلنا نفهم أن وراء كل اسم في قوائم المفقودين أسرة تنتظر، وذكريات لا تموت.

الكتابة عن الحرب تعني ألا نكتفي بتسجيل ما جرى، بل أن نصغي إلى الذين يحملون آثارها في حياتهم، وإلى الآباء الذين غابوا، والبنات اللواتي ينتظرن. فالحرب قد تغيب الإنسان عن عيون أسرته، لكنها لا تستطيع أن تمحو مكانه من ذاكرتهم.

شارك الخبر: