عُمان
منوعات

القلم والسلطة: كيف يغير قرار واحد مصائر الآخرين؟

الرؤية٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٤:٢٤ م0 مشاهدة
القلم والسلطة: كيف يغير قرار واحد مصائر الآخرين؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الذي يمسك القلم | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

قد لا يستغرق اتخاذ القرار سوى ثوانٍ معدودة، لكن تأثيره قد يمتد لسنوات طويلة. توقيع واحد يمكن أن يفتح طريقًا أو يغلقه، ويُبقي على جهدٍ قائمًا أو ينهيه، وخلف هذا الجهد يقف أناس بذلوا وقتهم وخبرتهم وإخلاصهم. في هذا السياق، لا يمثل القلم مجرد أداة للكتابة، بل هو اللحظة التي تتسع فيها إرادة فرد لتغير مسارات أكبر منه ومن مصالحه الشخصية.

لكن امتلاك سلطة القرار لا يعني بالضرورة امتلاك الحقيقة، والقدرة على فرض الرأي لا تثبت صوابه. تبدأ المشكلة الحقيقية حين تختلط المسؤولية بالأنا، فيتحول القرار من وسيلة لتحقيق غاية إلى وسيلة لإثبات المكانة الشخصية. وغالبًا ما تتخفى الأنا في ثوب الحرص، أو الحزم، أو حتى الغيرة على المبادئ، وليس دائمًا في صورة الغرور الصريح.

يبدأ إلغاء الجهود السابقة غالبًا بجملة هادئة مثل: "نريد رؤية جديدة". ثم يُسأل من قام بالبناء: "لماذا لم تفعلوا كذا؟"، ليس ليجيب، بل ليُقال إن إجابته لم تكن كافية. وبعد ذلك، يُعاد العمل إلى نقطة الصفر، ليس لوجود عيب مثبت فيه، بل لأن صاحب القرار يريد أن يبدأ من جديد وفق رؤيته الخاصة. هذا يؤدي إلى إهدار جهود سنوات، وإلغاء مبادرات بناها آخرون، ومحو خبرات تراكمت بالتجربة. وتبقى الملفات على المكاتب بعد أن يُقال لأصحابها إن "المرحلة تغيرت".

في خضم كل هذا، قد يغيب المعيار الثابت. فالمعيار الذي يتأخر عن النتيجة لا يعود معيارًا، بل يصبح حكمًا يبحث عن مبرراته. وهناك نجاحات لا يُسأل عن صاحبها، بل تُنسب لمن يملك سلطة التوقيع. وإن لم تُنسب إليه، تُعتبر نجاحًا ناقصًا مهما اكتمل. والأحكام الأخطر ليست تلك التي تُقال عن العمل نفسه، بل تلك التي تُقال عن صاحبه: "أنه لا يشبهنا". هذه الجملة لا تحتاج إلى دليل ولا تقبل الجواب، لأن هوية "نا" فيها غير واضحة. وحين يتكلم فرد باسم الجماعة، يصبح اعتراضه عليه اعتراضًا على الجميع، ويتحول النجاح نفسه إلى موضع اتهام بدلاً من تقييم الأداء.

وهكذا، قد يتحول التمسك بالموروث من اعتزاز بالجذور إلى أداة تُجرد الإنجازات من شرعيتها. المشكلة ليست في العادات والتقاليد بحد ذاتها، بل فيمن يتكلم باسمها. الأمانة الحقيقية ليست مجرد الالتزام بالإجراءات، بل أن يفصل الإنسان بين المصلحة التي أؤتمن عليها ومصلحته الشخصية، وأن يحتكم إلى معيار واضح يضعه قبل رؤية النتيجة، حتى لو خالفت النتيجة تفضيله الشخصي. فالنية الحسنة لا تجبر خاطر من خسر، والصلاحية لا تجعل القرار عادلًا.

لا يعني هذا أن كل تغيير هو خطأ، أو أن كل جهد سابق يستحق البقاء. فالمعيار يجب أن يكون مبررات القرار ونتائجه، وليس هوية صاحبه أو قربه ممن يملكون التأثير. الاعتراف بإنجازات الآخرين لا ينتقص من قيمة الإنسان، بل يدل على أنه يرى العمل خارج حدود ذاته. وهذا ليس شأنًا خاصًا بموقع واحد، بل يظهر في أي مكان يستطيع فيه شخص أن يمسك بجهود الآخرين ومصائرهم، سواء في العمل، أو المبادرات، أو العلاقات.

أصعب ما يواجه من يملك سلطة القرار هو أن يسأل نفسه بصدق: هل أرفض هذه الفكرة لأنها غير صالحة، أم لأنني لا أريد قبولها؟ لو جاء الاقتراح نفسه من شخص لا يهدد مكانتي، هل كنت سأقرأه بنفس العين؟ كلنا وقفنا يومًا على الجانب الآخر من الطاولة، ورفضنا فكرة لا نذكر الآن سبب رفضها. والنضج الحقيقي ليس في أن تكون كلمتك هي الأخيرة دائمًا، بل في امتلاك الشجاعة لمراجعتها، وفي حفظ ما يستحق البقاء حتى لو لم تكن أنت من بدأه.

قد تنسى بعد أيام ما وقعت عليه، لكن أثره سيبقى حاضرًا في حياة إنسان آخر لسنوات. فحين تمسك القلم فوق ورقة تخص غيرك، توقف لحظة، وانظر إلى يدك. ليس السؤال هو ماذا تريد أن تفعل فحسب، بل بأي معيار ستفعل ذلك، وعلى من سيقع أثر قرارك.

شارك الخبر: