كيف يمتص جلد الذات الطاقة الحيوية للإنسان؟ قراءة في أطروحات الفشل


هذا الخبر بعنوان "للفشل طاقة مُعطَّلة (5) | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣١ أغسطس ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
حين يتعرض الإنسان لعثرات الفشل، يقع غاضبًا في شِباك مُحاكمةٍ ذاتية؛ فاللوم في أصل خَلْق النفس البشرية وُجد ليكون مُنشِّطًا يقظًا يدفع نحو تدارك الخطأ وإصلاح المسار، كما لخّصه البيان الإلهي المُحكم في قوله تعالى: {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ}. غير أنّ خُطورة هذا اللوم تكمن في خروجه عن طبيعة اللُّطف الحِسّي وتحَوُّله إلى «جَلْد ذاتٍ مُستمر»؛ حيث يصنع الإنسان لنفسه مخاوف وقسوة مُصطنعة، تتحوّل بفعل التكرار والندم إلى جرثومة خفية تمتص طاقته الحيوية، وتطمُر بصيرة النهوض، واضعةً جدارًا سميكًا بينه وبين قُدرته العالية الكامنة في داخله.
وهذا الأثر التدميري الذي تسببه الجرثومة الخفية في نحر قوى بدن الإنسان يجد برهانه الكوني الأعلى في المُحكم القرآني العظيم؛ حيث شخّص النص الإلهي غاية الامتصاص الحركي الناتجة عن تراكم الحزن واللوم المُفرط، في قوله تعالى على لسان بني يعقوب: {قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ}. والتفسير اللغوي الدقيق للفظ {حَرَضًا} يشرح جليًّا كنه الطاقة المُعطّلة؛ فالمراد به هو المريض الذي ذاب جسده، ونحلت قوته، وبطلت حركته تمامًا بفعل كبت الحزن واللوم الداخلي المُستمر.
وهذا الاستنزاف العبثي لطاقة الإنسان وظّفته الميثولوجيا الإغريقية بوصفه سردية متلازمة مع الكينونة البشرية؛ فالمخيال القديم صاغ كائنات وأحداثًا خارقة للطبيعة، تتجلى في أسطورة «سيزيف» الذي عوقب بدفع صخرة ضخمة إلى قمة الجبل، لتنحدر تلقائيًّا نحو القاع في حلقة وجودية مفرغة. ويتلاقى هذا المشهد الأسطوري، في تناظره الفلسفي والحسّي، مع واقعة الصخرة الكبيرة في مخطوطة رواية «أوجاع قرية البحر» للكاتب حمد الناصري؛ حيث تحوّل العجز في مواجهة الواقع إلى فناء تراجيدي تمثّل في مصرع الأب «ناصر» إثر وقفته أمام الجرافة، وانزلاق طفله «عبد الناصر» من فوق ذات الصخرة ليفارق الحياة على الفور.
ويستعرض الكاتب حمد الناصري في مقالته رؤى فلسفية متعددة، مستشهدًا بأطروحة الفيلسوف الألماني «فريدريش نيتشه» في سفره «في جنيالوجيا الأخلاق»، وعقلية الإمام أبي حامد الغزالي في «إحياء علوم الدين»، إضافة إلى أطروحة الفيلسوف الألماني «آرتور شوبنهاور» في «العالم إرادة وتمثّلًا»، وأفكار الطبيب النفسي النمساوي «ألفرد أدلر» في «فهم الطبيعة البشرية»؛ لنخلص إلى أن تحرير الطاقات لا يتم بإغراق الذات، بل بتحويل اللوم القاتل إلى محفز رصين يصنع العزم الحيّ ويكسر طوق الندم.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة