رحلة في مقهى سلافيا ببراغ: ظلال الجواهري ومعاني الحنين وأمن الأوطان


هذا الخبر بعنوان "مع الجواهري في مقهى سلافيا.. حين يصبح الحنين قضية أمن وطني | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ أغسطس ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شملت جولتي الصيفية في أوروبا هذا العام، برفقة العائلة وعدد من الأصدقاء، زيارة مدينة براغ، عاصمة جمهورية التشيك؛ وهي مدينة قرأت كثيرًا عن تاريخها ومعالمها الحضارية، من القلاع والقصور والجسور والكنائس والأبراج، إلى أحيائها القديمة، وفي مقدمتها الحي اليهودي الذي يحتضن أقدم معبد يهودي لا يزال مستخدمًا في أوروبا، وإحدى أقدم المقابر اليهودية الباقية فيها، شاهدًا على فصول صعبة من الاضطهاد الذي تعرض له اليهود في القارة الأوروبية، ولا يزال الفلسطينيون، في مفارقة تاريخية قاسية، يدفعون اليوم ثمن جرائم لم يرتكبوها.
كنت أتطلع إلى زيارة هذه المعالم، ولذلك خصصت لبراغ أسبوعًا كاملًا، لكن المكان الذي استأثر باهتمامي أكثر من غيره كان مقهى «سلافيا» العريق، المطل على نهر فلتافا الجميل، والمواجه تقريبًا لمبنى المسرح الوطني. افتُتح المقهى عام 1884، وتحول مع مرور الزمن إلى ملتقى للأدباء والفنانين والمفكرين، ثم إلى فضاء يجتمع فيه عدد من معارضي الحكم الشيوعي. أما سبب تعلقي بهذا المقهى قبل أن أراه، فهو أن الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري كان من رواده خلال إقامته في براغ، التي بدأت عام 1961 واستمرت في مرحلتها الأولى سبع سنوات متواصلة، قبل أن يعود إليها في فترات لاحقة. وفي منفاه كتب بعض أجمل قصائده وأكثرها تعبيرًا عن الحنين إلى العراق.
وعندما حققت رغبتي وجلست في المقهى، غمرني مزيج من المشاعر المتناقضة. جميل أن يجد الإنسان مكانًا يلجأ إليه ويعيش فيه آمنًا مكرمًا إذا وطنه لم يوفر له ذلك، ومؤلم في الوقت نفسه أن يضطر إلى مغادرة وطنه، وأن يشعر بأن الأمان الذي وجده في الغربة جعله بعيدًا عن أرضه وجذوره وذكرياتـه. وتُعرض في المقهى صورة للجواهري بقبعته المميزة، إلى جانب صور عدد من الأدباء والمفكرين والفنانين والسياسيين الذين ارتبطت أسماؤهم بالمكان، مثل راينر ماريا ريلكه، وفرانز كافكا، والكاتب المسرحي والمعارض السياسي فاتسلاف هافل.
ولم يكن الجواهري شاعرًا يراقب التاريخ من بعيد، فقد عمل في البلاط الملكي في عهد الملك فيصل الأول ثم اتجه للصحافة، وخاض معارك سياسية وفكرية، وتعرض للاعتقال والملاحقة. وفي «وثبة يناير» عام 1948 فقد شقيقه جعفر، فخلده في قصيدته الشهيرة «أتعلمُ أم أنتَ لا تعلمُ». ومرت براغ نفسها بتجارب قاسية من الاحتلال النازي والنفوذ السوفيتي وقمع «ربيع براغ» عام 1968 إلى «الثورة المخملية» عام 1989 التي أنهت الحكم الشيوعي وأوصلت فاتسلاف هافل إلى الرئاسة.
أمام نهر فلتافا، لم تستطع روعة المكان أن تبعد تفكيري عن الأخطار والتحديات التي تواجهها بلادي ومنطقة الخليج. ورغم ثقتي بقدرة قياداتنا وشعوبنا، فإن مشهد براغ والجواهري يدعونا للتأمل في أن الأمن الحقيقي لا يكتمل بحماية الأرض والحدود فقط، بل يقتضي أن يبقى الوطن بيتًا آمنًا لجميع أبنائه، وأن تقوم الدولة على المؤسسات والقانون، وأن تصبح الثقافة والفنون جزءًا من المناعة الوطنية؛ فأقوى الأوطان ليس فقط ما يصعب اختراق حدوده، بل ما لا يضطر أبناؤه إلى الوقوف بعيدًا عنه ورثائه بقصائد الحنين.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة