المحافظة المنتجة: كيف نطلق العنان لقدرات المكان في عُمان؟


هذا الخبر بعنوان "المحافظة المنتجة.. ماذا لو أعطينا المكان فرصة أن يفكر؟ | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ نوفمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في سياق التنمية المحلية، غالبًا ما ينصب التركيز على المشروعات والمخصصات المالية والبنية التحتية. لكن المقال يتساءل عما إذا كانت المحافظة مجرد نطاق جغرافي لتوزيع المشروعات، أم يمكن أن تصبح فاعلًا تنمويًا يمتلك القدرة على اكتشاف فرصه الاقتصادية والمشاركة في صياغة مستقبله. هذا التصور يضع المحافظة كمصدر للمعرفة والموارد والمبادرات، وليس مجرد وجهة للإنفاق.
تأتي هذه المقالة في سياق سلسلة بدأت بفهم العلاقة بين المركز والمستويات المحلية في الصين، مرورًا بتحول القرى إلى مجتمعات منتجة واستقطاب الشباب. وقد أكدت المقالات السابقة على أن نجاح نموذج تنموي في بيئة لا يضمن نجاحه في بيئة أخرى، وأن القيمة الحقيقية تكمن في فهم المبادئ لا في استنساخ النتائج. لذلك، يصبح الانتقال إلى عُمان ضرورة فكرية لتطوير نموذج يسمح للمحافظات بالمشاركة الأعمق في إنتاج التنمية.
لا يعني مفهوم «المحافظة المنتجة» اختزال دور المحافظة في النشاط الاقتصادي، بل هو فضاء اجتماعي وإداري يضم سكانًا ومؤسسات وموارد وعلاقات تاريخية وثقافية. المسؤولية الأساسية للدولة في ضمان الخدمات الأساسية والعدالة الاجتماعية تظل قائمة. لكن المحافظة المنتجة، بالمعنى التنموي، هي التي تساهم في تحديد أولوياتها، وتربط مواردها بفرص الاستثمار، وتطور الشراكات لتحويل الإمكانات المحلية إلى قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة.
يتطلب هذا التصور إعادة النظر في كيفية قراءة الموارد المحلية. فالمورد لا يتحول إلى قيمة مضافة لمجرد وجوده؛ بل يحتاج إلى مرافق للتصنيع والتخزين والتسويق، وخدمات سياحية متكاملة، واستفادة من المواقع اللوجستية. السؤال التنموي الحقيقي هو: ماذا تستطيع المحافظة أن تفعل بما تملكه؟ الميزة النسبية نقطة انطلاق، لكن تحويلها إلى قدرة تنافسية يتطلب مهارات واستثمارات وتقنيات وأسواقًا ومؤسسات قادرة على التنسيق.
تتيح الجغرافيا العُمانية مجالًا واسعًا للتفكير في هذه المسألة، فمحافظات مثل ظفار، مسندم، شمال وجنوب الباطنة، الداخلية، الظاهرة، شمال الشرقية، جنوب الشرقية، الوسطى، البريمي، ومسقط، تمتلك خصائص اقتصادية وعمرانية وسكانية متفاوتة. تصميم التنمية يجب أن ينطلق من فهم الاحتياجات والفرص المتنوعة لكل محافظة.
يتمثل أحد التحديات في الفرق بين توزيع المشروعات وتكوين المنظومات الاقتصادية. فالمحافظة المنتجة لا تُقاس بعدد المشروعات، بل بقدرتها على بناء علاقات تجعل النشاط الاقتصادي يولّد أنشطة أخرى، وتسمح بتراكم الخبرة والقيمة المضافة. مثال ذلك في قطاع الثروة السمكية، حيث يمكن ربط نشاط الصيد بخدمات التصنيع والتعبئة والتسويق والتدريب، مما يخلق سلسلة قيمة متنوعة وفرصًا للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
يتطلب بناء هذه المنظومات تخطيطًا محليًا قادرًا على التفكير خارج الحدود الإدارية الضيقة، مع الارتباط بمصالح المجتمع. المسألة تبدأ بالسؤال عن المشكلة الاقتصادية التي ينبغي حلها أو الفرصة التي يمكن تطويرها، وليس عن المشروع الذي يمكن تمويله. التنمية الاقتصادية تتحقق بتحسين العلاقات التي تربط الأصول الموجودة بعضها ببعض.
السؤال المركزي: ماذا لو أعطينا المكان فرصة أن يفكر؟ يعني الاعتراف بأن المعرفة التنموية تتوزع بين السكان والمنتجين ورواد الأعمال والجامعات والمؤسسات المحلية. عندما تُجمع هذه الخبرات ضمن عملية منظمة لصناعة القرار، يصبح المكان قادرًا على التعبير عن احتياجاته وفرصه بصورة أكثر دقة. المشاركة المجتمعية الفعالة تتطلب ربطها بصلاحيات واضحة وموارد قابلة للتوظيف ومسؤوليات محددة، والانتقال من مجرد الاستماع إلى كونها جزءًا من دورة التخطيط والتنفيذ والتقييم.
تطوير القدرات المؤسسية المحلية، مثل الكفاءات المتخصصة وأدوات التقييم، لا يقل أهمية عن توسيع الصلاحيات. اللامركزية التنموية تتطلب بناء قدرة محلية على تحديد المشكلات وتصميم الحلول وإدارة الموارد وقياس النتائج.
تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل التحولات التي تشهدها الإدارة المحلية في سلطنة عُمان، والاهتمام المتزايد بأدوار المحافظات ضمن مستهدفات رؤية «عُمان 2040». المحافظة شريك في اكتشاف الفرص الاقتصادية وتطويرها، مع بقاء التخطيط الوطني مسؤولًا عن التكامل بين المناطق وضمان العدالة. لا يعني هذا استقلالًا اقتصاديًا للمحافظات، بل تحديد مساهمتها الأكثر جدوى ضمن الاقتصاد الوطني وبناء علاقات تكامل.
تتغير مؤشرات النجاح التنموي لتشمل عدد الوظائف المستدامة، حجم القيمة المضافة محليًا، نمو المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وصول المنتجين إلى الأسواق، مشاركة الشباب والنساء، كفاءة استخدام الموارد، ورضا السكان. البيانات هي أساس اتخاذ القرار، وتحويلها إلى معرفة عملية لتوجيه القرارات وتقييم نتائجها.
تطوير تصور اقتصادي لكل محافظة يحدد أولويات قابلة للقياس، مع مراجعتها وفق تغير الأسواق والظروف. تحويل الأفكار إلى واقع يتطلب معالجة العلاقة بين التمويل والمساءلة، وتخصيص جزء من الموارد لتطوير القدرات المحلية وإعداد دراسات السوق وبناء الشراكات.
التمييز بين الاستثمار التنموي والإنفاق الخدمي ضروري. المحافظة المنتجة تحتاج إلى رؤية تجمع بين ضمان مستوى مناسب من الخدمات الأساسية وتطوير فرص اقتصادية قادرة على الاستمرار.
دور القطاع الخاص، خصوصًا المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، مهم في تحويل الموارد والفرص إلى مشروعات. بناء منصات للتعاون بين المنتجين والمستثمرين والجامعات ومراكز التدريب والجهات التمويلية يعالج الفجوات التي تعوق النمو. الدور الوطني يضمن العدالة التنموية، مع إتاحة المجال للمبادرات المحلية.
موقع الإنسان داخل العملية التنموية هو الأكثر أهمية. المحافظة المنتجة تعني توسيع قدرة السكان على المشاركة في النشاط الاقتصادي والاستفادة من عوائده. ربط الاستثمار بالتعليم والتدريب وريادة الأعمال والمشاركة المجتمعية شرط أساسي. تطوير فرص محلية متنوعة يقلل من الاضطرار إلى الهجرة ويسهل عودة الخبرات.
السؤال عن المحافظة المنتجة هو كيفية تنظيم العلاقة بين الموارد والمؤسسات والإنسان. عندما تتكامل هذه العناصر، تبدأ المحافظة في الانتقال من كونها مساحة لتوزيع المشروعات إلى مساحة لإنتاج المعرفة والفرص والشراكات والقيمة الاقتصادية. هذا التحول يغير العلاقة بين المواطن والدولة والمكان، حيث يصبح المواطن شريكًا في تحديد الاحتياجات واقتراح الحلول والمشاركة في التنفيذ والمراقبة.
المحافظة المنتجة ليست نموذجًا جاهزًا، بل منهجًا يسمح لكل محافظة باكتشاف أولوياتها وأدوارها الاقتصادية ضمن منظومة وطنية مشتركة. المبادئ الأساسية تظل متقاربة: معرفة دقيقة بالموارد والاحتياجات، مشاركة فعلية للمجتمع، قدرات مؤسسية قادرة على التخطيط والتنفيذ، شراكات اقتصادية منتجة، ومؤشرات واضحة لقياس الأثر.
التحدي هو كيفية نسج هذه الأطراف في إطار تنموي واحد؛ إطار لا يذيب اختلاف المحافظات، ولا يتركها تعمل بمعزل عن بعضها، بل يحول تنوعها إلى مصدر للقوة الاقتصادية والاجتماعية. التنمية تحتاج إلى تكامل القدرات، وعندما يعرف كل مكان ما يستطيع أن يقدمه، يصبح الوطن كله أكثر قدرة على الإنتاج. منح المكان فرصة أن يفكر يعني الاعتراف بأن التنمية الوطنية تصبح أكثر قدرة على الاستجابة للواقع عندما تشارك المجتمعات المحلية في إنتاج المعرفة والقرار والفرصة.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد