عُمان
سياسة

حوار المنامة: من تشخيص التهديدات إلى بناء استراتيجية خليجية موحدة للأمن المشترك

الرؤية٧ نوفمبر ٢٠٢٦ في ٠١:١٦ م0 مشاهدة
حوار المنامة: من تشخيص التهديدات إلى بناء استراتيجية خليجية موحدة للأمن المشترك

تنويه

هذا الخبر بعنوان "حوار المنامة.. من تشخيص المخاطر إلى بناء استراتيجية خليجية مشتركة | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ نوفمبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

نجحت مملكة البحرين مجددًا في استضافة منتدى حوار المنامة، في ظل تحولات جيوسياسية عميقة وتحديات غير مسبوقة تشهدها المنطقة والعالم، مما يمس منظومة الأمن والاستقرار. عكست نقاشات المنتدى قلقًا متزايدًا بشأن احتمالات تجدد المواجهات في منطقة الخليج، وأكدت على أهمية التضامن مع دول الخليج العربية في مواجهة التهديدات والاعتداءات، مع الدعوة لتعزيز الأمن الإقليمي، والتنسيق السياسي والدفاعي، واحترام سيادة الدول، وحماية حرية الملاحة، وخفض التصعيد، وتغليب الحلول الدبلوماسية.

تكمن قيمة الحوار الحقيقية ليس فقط في المواقف المطروحة، بل في الأسئلة التي يثيرها حول قدرتنا على ترجمة هذا التشخيص إلى ترتيبات عملية. فالأمن الإقليمي لا يتحقق بالتضامن وحده، والدعوات لخفض التصعيد تفتقر للقوة إذا لم تُسندها جاهزية دفاعية، وتنسيق وثيق، وآليات واضحة للتعامل مع التهديدات. لذا، ينبغي أن يكون منتدى حوار المنامة فرصة لمراجعة تجارب دول الخليج، والتفكير بجدية ووضوح في مستقبل أمنها المشترك.

منذ الثورة الإيرانية عام 1979 وما تبعها من شعارات تصدير الثورة والتدخل في شؤون الدول المجاورة، ثم الحرب العراقية الإيرانية التي دامت ثماني سنوات وأسفرت عن خسائر فادحة، اهتزت قواعد الأمن والاستقرار في الخليج. كان ينبغي لهذه التطورات أن تدفع دول الخليج لإدراك أن المنطقة دخلت مرحلة لا يمكن فيها اعتبار الأمن أمرًا مضمونًا. جاء تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981، وإنشاء قوة درع الجزيرة، وتوثيق العلاقات مع الحلفاء الدوليين، كاستجابة لمخاوف أمنية حقيقية، ولا يمكن التقليل من قيمة هذه الخطوات.

غير أن التحولات المتلاحقة كشفت أن المطلوب كان أوسع من مجرد بناء إطار للتعاون أو الاعتماد على الشراكات الخارجية. كان المطلوب بلورة استراتيجية دفاعية خليجية متكاملة، تستند إلى رؤية مشتركة للتهديدات، وقدرات منسقة، ومركز لاتخاذ القرار والاستجابة. ثم جاء احتلال العراق للكويت عام 1990، وحرب تحريرها، والغزو الأمريكي للعراق عام 2003، ليؤكد أن استقلال المنطقة وأمنها ليسا بمنأى عن الخطر.

كانت هذه المحطات بمثابة أجراس إنذار متكررة، تستدعي مراجعة بنية التفكير الأمني الخليجي، في ظل بيئة تتغير فيها طبيعة الصراعات ومصادر التهديد، وتتداخل فيها الاعتبارات العسكرية مع الاقتصادية والتكنولوجية، وتتزايد فيها أهمية حماية البنى التحتية والممرات البحرية ومصادر الطاقة. ومع المواجهات العسكرية الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، والنظام الإيراني من جهة أخرى، تعرضت مدن ومنشآت في المنطقة لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، مما جعل المواطن الخليجي يشعر بأن بلاده باتت أقرب إلى ميادين الصراع.

تفرض هذه التجربة قراءة طبيعة حروب هذا العصر، وإدراك أن النماذج الدفاعية التقليدية وحدها لم تعد كافية لمواجهة تهديدات سريعة ومتعددة المصادر. مراجعة التفكير الأمني لا تعني التخلي عن التحالفات أو التقليل من دورها، ولا تعني السعي لسباق تسلح. بل تعني تحديد ما يمكن القيام به جماعيًا، من خلال تبادل المعلومات والإنذار المبكر، وتنسيق الدفاع الجوي، وحماية المنشآت الحيوية والممرات البحرية، وتطوير القدرات التقنية، ووضع آليات مشتركة لإدارة الأزمات. كما تشمل تعزيز الصمود المجتمعي، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية، ورفع مستوى الوعي والاستعداد لدى المؤسسات والأفراد.

يظل هدفنا الأول منع الحروب وتجنب المواجهات العسكرية. ينبغي أن تبقى استراتيجيتنا دفاعية، قائمة على احترام سيادة الدول، وحسن الجوار، ورفض التدخل والابتزاز، وتغليب الحوار والدبلوماسية. لكن الحرص على السلام لا يعفينا من واجب الاستعداد؛ فالجاهزية المشتركة قد تكون من أهم الوسائل التي تحمي السلام، لأنها تقلل فرص الاعتداء وتحد من إغراء اختبار تماسك دول المنطقة. تبرز هنا مسؤولية دول مجلس التعاون في الانتقال من تبادل التقديرات إلى بناء قدرة عملية مشتركة، ومن الاكتفاء بالتوافق في المبادئ إلى وضع خطط قابلة للتنفيذ.

إن أمن الخليج مسؤولية جماعية، ولا تكتمل أركانه إلا بتماسك جبهته الداخلية، وتعزيز قدراته الذاتية، وتوثيق شراكاته، والاستعداد لتنسيق الرد إذا فُرضت عليه المواجهة. لقد أتاح حوار المنامة مساحة مهمة للتأمل في هذه التحديات، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد اختتام جلساته. يبقى السؤال: هل نستطيع أن نحول إدراك المخاطر إلى استراتيجية خليجية مشتركة، قادرة على حماية شعوبنا وصون سيادتنا ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب جديدة؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يظل حاضرًا في اجتماعاتنا المقبلة، وأن تُقاس به جدية ما نتخذه من خطوات.

شارك الخبر: