عُمان
سياسة

كيف أدت سياسات الشرق الأوسط والحروب المفتوحة إلى هزيمة الحزب الجمهوري وتأثيرها على إسرائيل؟

الرؤية٥ نوفمبر ٢٠٢٦ في ٠٣:٤٦ م0 مشاهدة
كيف أدت سياسات الشرق الأوسط والحروب المفتوحة إلى هزيمة الحزب الجمهوري وتأثيرها على إسرائيل؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "كيف أسقطت سياسات الشرق الأوسط والحروب المفتوحة الحزب الجمهوري وأثرت على إسرائيل؟ | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ نوفمبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لم تكن الهزيمة التي مُني بها الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية الأمريكية، في الثالث من نوفمبر 2026، مجرد انتكاسة انتخابية عابرة، بل حملت مؤشرات على تحول عميق في المزاج السياسي الأمريكي، وعلى اتساع الفجوة بين الوعود التي أوصلت دونالد ترامب إلى البيت الأبيض والسياسات التي انتهجتها إدارته. فقد نجح الديمقراطيون في انتزاع السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، في ضربة سياسية أعادت رسم موازين القوى في واشنطن، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع بين البيت الأبيض والكونغرس. ولعل المفارقة الأكثر إثارة أن ترامب، الذي رفع شعار «أمريكا أولاً»، ووعد بتجنب الحروب الخارجية المكلفة وإعادة توجيه الموارد نحو الداخل الأمريكي، وجد نفسه يواجه ناخبين ساخطين على حرب إيران، وارتفاع تكاليف المعيشة، واستمرار الانخراط الأمريكي في أزمات الشرق الأوسط. لقد اشتهرت الانتخابات الأمريكية منذ تسعينيات القرن الماضي بمقولة «إنه الاقتصاد يا أحمق»، لكن انتخابات 2026 كشفت عن حقيقة إضافية: لم يعد ممكناً فصل الاقتصاد الأمريكي عن تكاليف الحروب والقرارات الجيوسياسية التي تتخذها واشنطن خارج حدودها.

حرب إيران: عندما تتحول المغامرة الخارجية إلى عقاب انتخابي

شكّلت الحرب مع إيران أحد أبرز العوامل التي أضعفت موقف الجمهوريين. فبدلاً من تحقيق انتصار سريع يعزز صورة القوة الأمريكية مثلما وعد ترامب، تحولت المواجهة إلى مصدر للقلق الاستراتيجي والاقتصادي، وأعادت إلى أذهان الأمريكيين تجارب التدخلات العسكرية الطويلة في العراق وأفغانستان. ولم تقتصر تداعيات الحرب على نفقاتها العسكرية المباشرة، بل امتدت إلى اضطراب أسواق الطاقة، وارتفاع أسعار الوقود، والضغوط التضخمية، والمخاوف المتعلقة بأمن الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم شرايين تجارة النفط العالمية. والأهم أن استطلاعات الناخبين كشفت عن تراجع التأييد الشعبي للحرب، بما في ذلك داخل قطاعات من القاعدة الجمهورية نفسها. بل إن نائب الرئيس جيه دي فانس أرجع جانباً من خسائر حزبه إلى الحرب مع إيران، في اعتراف سياسي لافت بحجم الضرر الذي أحدثته المواجهة. وهنا برز التناقض الجوهري بين شعار «أمريكا أولاً» والواقع؛ إذ كيف يمكن لإدارة تعهدت بإنهاء الحروب المكلفة أن تطلب من المواطن الأمريكي تحمل أعباء مواجهة جديدة، بينما يعاني ارتفاع تكاليف السكن والرعاية الصحية والغذاء؟

غزة وإسرائيل: تراجع الإجماع التقليدي

لم تكن حرب الإبادة في غزة بعيدة عن التحولات التي شهدها المجتمع الأمريكي. فمنذ أحداث السابع من أكتوبر 2023، وما أعقبها من حرب مدمرة وخسائر إنسانية هائلة، بدأت العلاقة الأمريكية الإسرائيلية تواجه مراجعة متزايدة داخل الأوساط السياسية والأكاديمية والشبابية. وقد أثار استمرار الدعم العسكري والمالي الأمريكي لإسرائيل تساؤلات حول أولويات الإنفاق العام، وحدود الالتزام الأمريكي بأمن إسرائيل، ومدى توافق هذا الدعم مع مبادئ حقوق الإنسان والقانون الدولي. ولم يعد النقد مقتصراً على التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي؛ إذ ظهرت أيضاً أصوات محافظة وقومية تشكك في جدوى الالتزامات الخارجية المفتوحة، وترى أن المصالح الأمريكية ينبغي ألا تكون خاضعة بصورة تلقائية لأولويات أي حكومة أجنبية. ومع ذلك، فإن الحديث عن انهيار الإجماع الأمريكي بشأن إسرائيل سيكون سابقاً لأوانه. فما زالت إسرائيل تحظى بدعم مؤسسي وسياسي واسع داخل الحزبين، لكن الجديد هو أن هذا الدعم لم يعد بمنأى عن النقاش العلني، خصوصاً بين الأجيال الشابة.

هل أصبحت أحداث أكتوبر 2023 نقطة تحول تاريخية؟

يطرح هذا التحول سؤالاً استراتيجياً بالغ الأهمية: هل يمكن اعتبار التغيرات في الرأي العام الغربي تجاه إسرائيل والقضية الفلسطينية إحدى النتائج السياسية بعيدة المدى لأحداث السابع من أكتوبر 2023؟ من الناحية التحليلية، أعادت الحرب الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي، بعد سنوات شهدت محاولات لتجاوز القضية من خلال ترتيبات إقليمية واتفاقيات تطبيع لا ترتبط بالضرورة بتسوية عادلة للصراع. كما كشفت الحرب عن فجوة متنامية بين مواقف الحكومات الغربية وقطاعات من مجتمعاتها، خصوصاً داخل الجامعات وبين الشباب، الذين باتوا أكثر استعداداً لانتقاد السياسات الإسرائيلية والمطالبة بربط المساعدات العسكرية باحترام القانون الدولي. لكن من الضروري التمييز بين النتائج السياسية والتقييم الأخلاقي والاستراتيجي للأحداث. فالتغير في الرأي العام لا يلغي الكلفة الإنسانية الهائلة التي تكبدها الفلسطينيون، ولا يعني بالضرورة أن هذه التطورات حققت مكاسب سياسية تعادل حجم الخسائر. كما أن التحول الشعبي لم يتحول حتى الآن إلى تغيير شامل في أسس التحالف الأمريكي الإسرائيلي.

الاقتصاد والناخب الغاضب: العامل الذي حسم المعركة

رغم أهمية حرب إيران وغزة، فإن تفسير الهزيمة الجمهورية بالحروب وحدها يتجاهل عوامل داخلية حاسمة. فقد أظهرت استطلاعات الخروج من مراكز الاقتراع أن نحو تسعة من كل عشرة ناخبين اعتبروا تكاليف المعيشة قضية مهمة أو حاسمة، وأن قرابة ثلاثة أرباع الناخبين كانوا غير راضين عن الاتجاه الذي تسير فيه البلاد. كما بلغت نسبة التأييد لترامب نحو 38% في الاستطلاعات الأولية. هذه المؤشرات تكشف أن الناخب لم يعاقب الجمهوريين على السياسة الخارجية بمعزل عن الاقتصاد، وإنما على مجموع السياسات التي رأى أنها أضعفت قدرته الشرائية ولم تحقق الوعود الانتخابية. وقد ساهمت الرسوم الجمركية، والمخاوف من الفساد الحكومي، والاستقطاب السياسي، والجدل حول الهجرة وصلاحيات الرئيس، في تعميق حالة الاستياء. وهكذا تداخلت الأزمات الداخلية والخارجية لتنتج موجة انتخابية واسعة ضد الحزب الحاكم.

سقوط الجمهوريين وصعود أزمة داخل الحزبين

تكشف النتائج أيضاً عن تصدع داخل التحالف الانتخابي الذي أعاد ترامب إلى السلطة عام 2024. فقد تعرض الجمهوريون لخسائر في ولايات محافظة تقليدياً، بينها كانساس وتكساس وكارولاينا الجنوبية، بينما أظهرت المؤشرات الانتخابية تراجع تأييدهم بين بعض الناخبين الشباب واللاتينيين. وفي المقابل، لا تعني انتصارات الديمقراطيين حصولهم تلقائياً على تفويض شعبي شامل لسياساتهم. فالحزب الديمقراطي نفسه يواجه خلافات بشأن إسرائيل، والإنفاق العسكري، والسياسة الاقتصادية، وحدود الدور الأمريكي في العالم. لكن سيطرته على مجلسي الكونغرس ستمنحه أدوات قوية لمراقبة الإدارة، وفتح التحقيقات، ومراجعة الموازنات، والضغط لتغيير مسار السياسة الخارجية. وقد يواجه ترامب صعوبات متزايدة في تمرير تشريعاته، حتى وإن احتفظ بصلاحيات تنفيذية واسعة في إدارة العلاقات الدولية.

ماذا تعني النتائج لإيران وإسرائيل والشرق الأوسط؟

قد تكون أهم تداعيات الانتخابات خارج الولايات المتحدة نفسها. فإيران ستقرأ النتائج بوصفها مؤشراً على تراجع استعداد المجتمع الأمريكي لتحمل حرب طويلة، بينما ستجد الحكومة الإسرائيلية نفسها أمام كونغرس أكثر استعداداً لمساءلة الإدارة بشأن الدعم العسكري والسياسات الإقليمية. أما دول الخليج، فقد تستخلص درساً أكثر عمقاً: أن الالتزامات الأمنية الأمريكية أصبحت أكثر تأثراً بالتقلبات الانتخابية الداخلية، وأن بناء منظومة أمن إقليمي مستقرة يتطلب تنويع الشراكات وتعزيز الدبلوماسية الإقليمية، وعدم الاعتماد المطلق على ضمانات قوة خارجية. غير أن انتصار الديمقراطيين لا يعني بالضرورة انسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط أو تخليها عن إسرائيل؛ فالمصالح الاستراتيجية والمؤسسات الأمنية والعسكرية الأمريكية تتمتع باستمرارية تتجاوز نتائج الانتخابات.

الخاتمة: هل بدأت نهاية عصر الحروب بلا حساب؟

إن الدرس الأبرز من انتخابات نوفمبر 2026 ليس أن السياسة الخارجية حلت محل الاقتصاد في تحديد خيارات الناخب الأمريكي، بل أن الحروب الخارجية أصبحت جزءاً من المعادلة الاقتصادية والسياسية الداخلية. لقد دفع الجمهوريون ثمناً انتخابياً لتناقض الوعود مع السياسات، ولعجزهم عن إقناع الناخب بأن التضحيات الاقتصادية التي يتحملها تخدم مصالحه الوطنية. أما التحول الأعمق، فهو أن المواطن الأمريكي بات أكثر استعداداً لمساءلة حكومته عن تكلفة التحالفات والحروب، وعن العلاقة بين ما تنفقه واشنطن خارج حدودها وما تعجز عن توفيره لمواطنيها في الداخل. وربما تكون الرسالة التاريخية لهذه الانتخابات أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع تعويض فقدان الثقة الشعبية، وأن الدولة التي تخوض الحروب دون إقناع مواطنيها بضرورتها قد تكتشف أن أخطر معاركها ليست في الخارج، بل داخل صناديق الاقتراع.

شارك الخبر: