الركن اليماني: عُمان الامتداد الجغرافي الأصيل للحقيقة التاريخية


هذا الخبر بعنوان "الاتجاه العُماني واسترداد الحقيقة الجغرافية | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ نوفمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تكن تسميات أركان الكعبة المشرفة في الوعي العربي القديم مجرد إشارات جغرافية، بل كانت تعكس امتدادات حضارية وفلكية وسيادية. وفي سياق النقد العلمي، يبرز مصطلح "الركن اليماني" كأحد المفاهيم الجغرافية التي تعرضت لاختزال مشوه حديثًا، مما يستدعي تفكيك هذه السردية وإعادتها إلى سياقها الجغرافي والمادي الأشمل، الذي يثبت أن عُمان بثقلها البحري هي الامتداد الحقيقي والأصيل لهذا الاتجاه. تبدأ معرفة الجذر التاريخي للمصطلح من كونه نتاج "اللسان الجغرافي للعرب في الجاهلية"، حيث كانت مكة المكرمة مركز الميزان الملاحي والبري. فكان ما يقع عن يسار الكعبة شمالاً يُسمى "الشام"، وما يقع عن يمينها جنوباً يُسمى (اليَمَن). وبناءً على هذا العرف اللغوي، فإن لفظ (اليَمَن) يجمع بين دلالة الاتجاه الجغرافي جنوب الكعبة ودلالة البركة والخير والرّفعة (اليُمْن). ولا يمكن حصر هذا اللفظ في بُقعة سياسية ضيقة، بل هو هوية شاملة لجنوب الجزيرة العربية، دخلت فيه بالضرورة الجغرافية أراضي الأحقاف وظفار وسائر أقاليم عُمان. وتُعزز هذه المحاججة العلمية بالرجوع إلى خرائط الجغرافيا الإغريقية القديمة، وتحديداً خريطة "كلوديوس بطليموس" في القرن الثاني الميلادي، حيث لم يفصل الإغريق جنوب الجزيرة ككيانات مجزأة، بل سموها بالكامل "العربية السعيدة"، وكانت الواجهة السيادية البحرية الأكثر بروزاً هي سواحل عُمان وموانئها التاريخية مثل سمهرم ومسقط. ويمتد الخط الجغرافي المستقيم من الركن الجنوبي الغربي للكعبة ليقطع صحراء الأحقاف ويصل إلى السواحل العُمانية، مما يعني فلكياً وملاحياً أن ذلك الركن يشير إلى الامتداد البحري السيادي الذي كانت عُمان صمام أمانه. وتتكامل هذه المحاججة مع ما تُثبته العلوم الجغرافية الحديثة وحسابات "الجيوديسيا"؛ فالكعبة المشرفة وأركانها الأربعة تتطابق بدقة فلكية مع الجهات الجغرافية الأصلية. وعند محاكمة هذا الاتجاه عبر الخرائط الرقمية المعاصرة ومسح الأقمار الصناعية، نجد أن خطاً مستقيماً ينطلق من ذلك الركن ويمتد على استقامته الرياضية يقطع جنوب الجزيرة العربية وصحراء الأحقاف، لينتهي في عُمق جغرافيا سلطنة عُمان، وتحديداً عند السواحل البحرية العُمانية المفتوحة. وهذا الدليل المادي المعاصر يُقدم برهاناً هندسياً قاطعاً على أنّ عُمان تقع مباشرة في قلب مسار سهم ذلك الركن وامتداده الطبيعي. وينسجم هذا التحليل العلمي مع الرؤية الفقهية والتاريخية العميقة التي طرحها أعلام الفكر في عُمان؛ فقد تجلى هذا الفهم الجغرافي الموسع في أطروحات سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي عام سلطنة عُمان، وفضيلة الشيخ المؤرخ سليمان بن حمود السيابي، اللذين أكدا أنّ حصر المفهوم في بُقعة سياسية ضيقة يُجافي حقيقة الجغرافيا الشاملة لجهة اليمين والبركة التي تُعد عُمان عمودها الفقري البحري. وتذكر المتون والكتب التاريخية القديمة، مثل معجم البلدان لياقوت الحموي، أنّ الرجل الذي بنى الركن اليماني قدم من اليمن قبل الإسلام، وبنى الركن مُشترطًا أن يُنسب إلى اليمن، فسُمّي من يومها بالركن اليماني. وقد خلّد شعراء اليمن ذلك الصنيع التاريخي بقولهم: "لنا الركن من بيت الحرام وراثةً... بقية ما أبقى أُبَيُّ بن سالما". كما خلّدت كتب مثل "أخبار مكة" للأزرقي رواياتٍ تذكر أنّ من تولّى بناء جدار هذا الركن في الجاهلية هو أُبَيّ بن سالم، مما يُثبت الشراكة الحضارية لأبناء الجنوب قاطبةً في صيانة البيت العتيق. ومن هنا تنبثق المحاججة الفكرية والسياسية الذكية: إنّ عُمان بأساطيلها الضاربة وحضورها البحري، هي الشريك الشرعي والجغرافي لأصالة هذا الركن؛ فالتسمية بالامتداد الجغرافي والسيادة المادية تُعيد صياغة ذلك الاتجاه بوصفه امتداداً عُمانياً بامتياز. وستبقى الحقائق المادية والخرائط القديمة شاهدةً على بُطلان الاختزال المعاصر للمصطلحات الجغرافية التاريخية؛ فالركن الجنوبي للكعبة هو بوابة مكة نحو بحر العرب والبحر العُماني العميق، وهو المدى الذي سيّجته عُمان بحضورها المعرفي والملاحي عبر الأزمان.
سياسة
ثقافة
سياسة
سياسة