الديمقراطية الأمريكية: الدولار يشتري الأصوات والمواطن يدفع الثمن بالتقسيط!


هذا الخبر بعنوان "في أمريكا.. الديمقراطية بالدولار والمواطن بالتقسيط! | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ نوفمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في الولايات المتحدة، يمكن للمواطن أن ينام تحت جسر، لكنه لن يُحرم من مشاهدة إعلان انتخابي يخبره بأن بلاده أعظم دولة على وجه الأرض. وقد يعجز عن دفع فاتورة علاجه، لكن ثمة من يدفع الملايين ليشرح له، بين إعلانين، مدى الحرص على صحته ومستقبله. أما إذا جاع، فبوسعه الاختيار بحرية كاملة بين صورتين لمرشحين يبتسمان له من لوحة ضخمة فوق مطعم لا يستطيع دخوله!
تلك بعض بركات الموسم الانتخابي الأمريكي: الأموال تتدفق، والشاشات تضيء، والمستشارون يزدهرون، والمواطن يكتشف أنه أغلى ما في الوطن… إلى أن يسأل عن ثمن دوائه. لنفترض أن فاتورة الدعاية الانتخابية بلغت نحو 12 مليار دولار. لا نتحدث هنا عن بناء مستشفيات أو مساكن أو مدارس، بل عن إقناع الأمريكي بأن المرشح الأول سيُنقذه من المرشح الثاني، الذي يؤكد بدوره أن خلاص البلاد يتوقف على منع الأول من إنقاذها! اثنا عشر مليار دولار كي يقول كل طرف إن الآخر يكذب. وهذه، ربما، النقطة الوحيدة التي يجد فيها الناخب مجالًا لتصديق الطرفين معًا.
ولأن الأرقام الكبيرة تفقد معناها من كثرة الأصفار، فلنترجمها إلى لغة الذين لا يملكون حسابات في الملاذات الضريبية. هذا المبلغ يعادل، حسابيًا، تكلفة توفير نحو 30 ألف وحدة سكنية، بافتراض 400 ألف دولار للوحدة، دون تكاليف التشغيل والخدمات المستمرة. أو يمكنه تمويل أقساط تأمين صحي لنحو مليون ومئتي ألف شخص لمدة سنة، باستخدام متوسط تكلفة التأمين الفردي المرتبط بالعمل معيارًا للمقارنة، مع بقاء مبالغ التحمل والمشاركة في العلاج.
لكن المسكن يعاني عيبًا انتخابيًا خطيرًا: لا يهاجم الخصم. وبطاقة التأمين الصحي لا تظهر على الشاشة لتقول إن المرشح الآخر سيدمر الحضارة. أما الإعلان فيفعل ذلك خلال ثلاثين ثانية، ثم يترك المواطن يعود إلى حساب ثمن الإيجار والدواء! وفي هذه السوق الديمقراطية المزدهرة، تتوزع الأدوار بوضوح: المواطن يمنح صوته، والملياردير يمنح التمويل، والمرشح يمنح الوعود. وبعد الانتخابات، يحتفظ المواطن بنسخة من الوعود، ويحتفظ الممول برقم الهاتف.
بالطبع، ليس كل تبرع صفقة، ولا كل ممول يشتري قرارًا، ولا كل صاحب مال يضمن فوز مرشحه. لكن من السذاجة أيضًا تصور أن مئات الملايين تُدفع بدافع الشغف بصوت المذيع أو الإعجاب بألوان الملصقات. للممول أولويات، ولشركاته مصالح، ولضرائبه مكانة عزيزة في قلبه. ومن الطبيعي أن يفضّل وصول من يتفهم هذه المشاعر الرقيقة. أما الفقير، فأولوياته أقل تعقيدًا: سقف لا يتسرب منه المطر، ووظيفة تكفيه، ودواء لا يضطر معه إلى الاختيار بين سلامة قلبه وامتلاء معدته. لكنه يرتكب خطأً استراتيجيًا فادحًا: يطرح هذه المطالب من دون أن يرفق بها شيكًا!
وحين يسأل عن الإسكان والعلاج، تبدأ المحاضرة الجادة: من أين نأتي بالأموال؟ ماذا عن العجز؟ وماذا عن مسؤولية الفرد؟ ثم ينتهي البرنامج، ويبدأ إعلان انتخابي مدفوع يخبره بأن المرشح يشعر بمعاناته. ويبدو أن تصوير هذا الشعور وإنتاجه وبثه أسهل كثيرًا من تخفيف المعاناة نفسها. صحيحٌ أن أموال الحملات ليست بندًا حكوميًا يمكن نقله بقرار إلى موازنة الصحة. لكن المقارنة تكشف ترتيبًا للأولويات: قدرة هائلة على جمع المال للتأثير في اختيار من يحكم، يقابلها جدل لا ينتهي حين يُطرح سؤال ما الذي ينبغي أن يحصل عليه المحكوم.
وفي بلد الملياديرات؛ حيث يبدو بلوغ التريليون طموحًا شخصيًا أكثر إلحاحًا من توفير سقف للمشرّدين، ورئيسٍ تمتد مصالح عائلته من العقارات إلى العملات الرقمية، وتستهويه هدايا بحجم طائرة «جامبو» تقبلها إدارته للاستخدام الرئاسي، لا تستغرب أن تكون ديمقراطية الدولار هي الأعلى صوتًا والأشد تأثيرًا. وبين جماعات ضغط تعرف أبواب الساسة ومفاتيح قلوبهم الانتخابية، يصبح «شراء الضمائر» وصفًا ساخرًا لسوق تفضّل تسمية بضائعها «دعمًا» و«تبرعات» و«بناء علاقات». وحده المواطن البسيط يسيء فهم قواعد اللعبة؛ يأتي حاملًا شكواه، بينما كان عليه أن يأتي حاملًا دفتر شيكاته!
وللديمقراطية هنا أحجام مختلفة: صوت المواطن بحجم ورقة اقتراع، وصوت الملياردير بحجم حملة تلفزيونية، والهدية بحجم طائرة. أما مطالب الفقير، فيُفضَّل أن تبقى بحجم حقيبة اليد… حتى لا تُثقل الرحلة! أما الفائز الذي لا ينتظر فرز الأصوات، فهو سوق الإعلانات. المحطات والمنصات ووكالات الدعاية تتقاضى مقابل ظهور الوجوه واختفاء الحقائق خلف الموسيقى الحماسية. يخسر مرشح، ويفوز آخر، لكن فاتورة البث واجبة الدفع في الحالتين. ولعل هذه أكثر نتائج الانتخابات يقينًا!
ثم تُقدَّم التجربة إلى العالم باعتبارها مهرجانًا لسيادة الشعب. وللشعب بالفعل دور مهم: الوقوف في الطابور، ووضع العلامة، ثم العودة إلى العمل، أو البحث عنه، أو إلى الخيمة التي تركها تحت الجسر. هناك، يستطيع المواطن أن يتأمل اللوحة الانتخابية التي كلفت أموالًا طائلة وتَعِده بمستقبل أفضل. وربما خطر له اقتراح متواضع: في الانتخابات المقبلة، لا تطبعوا صور المرشحين على الورق… اطبعوها على بطانيات. حتى إذا لم تفِ الوعود بشيء، نكون قد خرجنا من الديمقراطية ببعض الدفء.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة