عُمان
سياسة

السيد بدر في كامبريدج: من دبلوماسية الوساطة إلى بناء منظومة أمنية خليجية شاملة

الرؤية١ نوفمبر ٢٠٢٦ في ٠٢:٤٢ م0 مشاهدة
السيد بدر في كامبريدج: من دبلوماسية الوساطة إلى بناء منظومة أمنية خليجية شاملة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "السيد بدر في كامبريدج.. من دبلوماسية الوساطة إلى هندسة الأمن الخليجي | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ نوفمبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لم تكن محاضرة معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية العُماني، في كلية جيرتون بجامعة كامبريدج، تحت عنوان «الأمن الشامل في الخليج»، مجرد عرض دبلوماسي تقليدي لمواقف سلطنة عُمان. بل حملت رؤية فكرية وسياسية تتجاوز إدارة الأزمات الراهنة إلى مساءلة الأسس التي قامت عليها المنظومة الأمنية الخليجية خلال العقود الماضية. وطرحت سؤالًا جوهريًا: هل يمكن بناء أمن مستدام في الخليج في ظل استمرار الاعتماد على القوى الخارجية، واستبعاد بعض دول المنطقة من ترتيباته الأمنية؟

انطلقت رؤية السيد بدر البوسعيدي من حقيقة جغرافية وسياسية مفادها أن أمن عُمان مرتبط بأمن جيرانها، وأن الاستقرار لا يتحقق بصورة منفردة. ومن هنا جاءت الدعوة إلى إنشاء منظومة أمنية شاملة تضم الدول الثماني: دول مجلس التعاون الخليجي الست، إضافة إلى العراق وإيران. فاستقرار المنطقة، وفق هذا التصور، لا يتحقق عبر تحالفات تستهدف عزل بعض أطرافها، أو ترتيبات تقوم على افتراض أن أمن طرفٍ ما يتحقق بإضعاف طرف آخر. وتكمن جرأة هذا الطرح في تحديه مفهومًا استراتيجيًا سائدًا لعقود، يقوم على إدارة التوازنات الإقليمية عبر الردع العسكري والتحالفات الخارجية.

لم يكتفِ الخطاب بتشخيص الاختلالات، بل طرح هدفًا عمليًا يتمثل في التوصل إلى ميثاق لعدم الاعتداء بين الدول الثماني، باعتباره خطوة أولى نحو بناء الثقة وتطوير منظومة أمنية أكثر استقرارًا. غير أن نجاح هذه المبادرة يتطلب تحويل المبادئ إلى التزامات قابلة للتنفيذ، تشمل احترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتسوية النزاعات سلميًا، وضمان حرية الملاحة، وإنشاء آليات للتحقق ومعالجة الخلافات. وقد يكون من المناسب تأسيس منتدى أمني خليجي دائم يضم الدول الثماني، ويعقد اجتماعات دورية على المستويات السياسية والأمنية والفنية.

يثير تحديد الدول الثماني تساؤلًا حول موقع اليمن في هذه المنظومة. ويمكن فهم هذا التحديد في إطار التركيز على دول الخليج ومحيطها السياسي المباشر. فاليمن، وإن لم يكن مطلًا على الخليج العربي، يمثل امتدادًا حيويًا لأمن شبه الجزيرة العربية، بحكم حدوده مع السعودية وعُمان، وإشرافه على باب المندب وخليج عدن. ومن ثم، فإن نجاح أي منظومة أمنية خليجية يستدعي تطوير إطار موازٍ يربط أمن الخليج بأمن اليمن والبحر الأحمر وبحر العرب.

لعل الجانب الأكثر إثارة للاهتمام في محاضرة كامبريدج لا يتعلق بمضمونها وحده، وإنما بالمنبر الذي اختير لطرحها، وباللغة الفكرية التي صيغت بها. لقد عُرفت الدبلوماسية العُمانية تاريخيًا بالهدوء والوساطة والمحافظة على قنوات التواصل مع الأطراف المتخاصمة. غير أن خطاب السيد بدر يكشف عن تطور مهم، يتمثل في الانتقال من الاكتفاء بتقريب وجهات النظر إلى المساهمة في صياغة التصورات النظرية التي يمكن أن تقوم عليها الترتيبات الإقليمية المستقبلية. وهنا يبرز مفهوم «الدبلوماسي المُفكِّر»، الذي عرفته السياسة الدولية من خلال شخصيات جمعت بين المعرفة الأكاديمية والممارسة السياسية.

إنَّ اختيار جامعة كامبريدج يحمل دلالة تتجاوز البعد البروتوكولي؛ فالجامعات الكبرى ليست مؤسسات تعليمية فحسب، وإنما فضاءات لإنتاج المعرفة وتشكيل التصورات التي تنتقل لاحقًا إلى مراكز الأبحاث ودوائر صنع القرار. ومن خلال مخاطبة هذه المؤسسات، تستطيع الدول إيصال رؤاها إلى الباحثين والمفكرين وصناع القرار المستقبليين.

إنَّ القيمة الحقيقية لمحاضرة السيد بدر تكمن في أنها لم تطرح الأمن باعتباره مسألة عسكرية مجردة، بل بوصفه منظومة مترابطة تشمل السياسة والاقتصاد والتنمية والثقة المتبادلة. غير أن المسافة بين الرؤية النظرية والتطبيق العملي تظل واسعة. لقد اعتادت الدبلوماسية العُمانية أن تؤدي دور الجسر بين المتخاصمين. أما الرسالة الأعمق لمحاضرة كامبريدج، فهي أن الوقت قد حان للانتقال من بناء الجسور بين أطراف الأزمات إلى المساهمة في تصميم نظام إقليمي يقلل احتمالات نشوئها أصلًا.

شارك الخبر: