الصين في الوجدان العربي: تاريخ من التواصل الحضاري والتجاري العريق


هذا الخبر بعنوان "الصين في المخيال العربي | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ نوفمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لطالما ارتبط اسم الصين في الذاكرة العربية بالبُعد المَكاني، حتى قِيلَ: "اطلبوا العلم ولو في الصين" كناية عن البُعد، وبأنَّها البلاد التي تزخر بالعجائب والغرائب وكل ما هو خارج عن المألوف، والمكان الذي تشرق منه الشمس، فضلاً عن ارتباطها بالرحلات الطويلة والتجارة، كما يظهر ذلك جلياً في الكتابات الجغرافية والتاريخية العربية التي ظهرت في العصور الإسلامية وما قبلها. كما عُرفت عند العرب القدماء بأنَّها حضارة عريقة ارتبط اسمها بالثراء وإتقان الصناعات والحِرف والتنظيم الاجتماعي والإداري. وقد أسهمت حركة التجارة بين العرب والصين، عبر الطرق البرية والبحرية، في تعميق معرفتهم بهذه البلاد، ولا سيما من خلال الرحلات البحرية التي شكّلت شرياناً مُهماً لحركة التبادل التجاري.
وقد تناول الرحالة والجغرافيون والمؤرخون العرب، مثل المسعودي وابن خرداذبه وأبي زيد السيرافي، الصين في مُؤلفاتهم، ووصفوا جغرافيتها وعادات أهلها ونُظم الحكم فيها وصناعاتها وأسواقها. ورغم أنَّ كتاباتهم لم تخلُ من مزج بعض الروايات بالمُبالغات والأخبار المنقولة، فإنِّها تكشف عن اهتمام عربي مُبكِّر بحضارة الصين، وإدراك لمكانتها بوصفها إحدى الحواضر الكبرى في العالم القديم، كما تقف شاهداً حياً على عمق التواصل الحضاري بين الشرق العربي والشرق الآسيوي، قبل قرون طويلة من نشوء العلاقات الدولية بمفهومها الحديث.
وفي هذا السياق، يصف المسعودي في كتابه "مروج الذهب ومعادن الجوهر" أهل الصين بأنهم: "أحذق خلق الله كفاً بنقشٍ وصنعة وكل عمل لا يتقدمهم فيه أحدٌ من سائر الأمم، والرجل منهم يصنع بيده ما يُقدِّر أنَّ غيره يعجز عنه؛ فيقصد به باب الملك يلتمس الجزاء على لطيف ما ابتدع، فيأمر الملك بنصبه على بابه من وقته ذلك إلى سنة، فإن لم يُخرِج أحدٌ فيه عيباً أجاز صانعه وأدخله في جملة صناعه، وإن أخرج أحد فيه عيباً طرحه ولم يجزْه". ويكشف هذا الوصف عن مدى اهتمامهم بإتقان العمل، وكأنهم يتمثلون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: "إنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّ إذا عمِلَ أحدُكمْ عملًا أنْ يُتقِنَهُ ".
ولم تقتصر مظاهر التميز في الحضارة الصينية على الصناعة والإنتاج، بل امتدت إلى نظم الحكم والإدارة. فقد اشتهر الصينيون باتباع القوانين، وكانت لهم أنظمة إدارية تقوم على مراتب الولاة والمسؤولين، وتتبع سلطة مركزية تنظم شؤون الأقاليم والسكان. وعُرف عن حكامها العدل وحسن التدبير والاستقامة والسيرة الحسنة، كما أولوا اهتماماً كبيراً برعاية السكان وتفقد أحوالهم وتوفير احتياجاتهم. وقد اعتبرها المسعودي نموذجاً للحكم القائم على الإدارة والرعاية والتنظيم، وليس مجرد مملكة واسعة وغنية.
كما عُرف الصينيون ببراعتهم في الصناعات، وقد أشار الرحالة العرب إلى مهارتهم في صناعة الحرير والأقمشة الفاخرة والخزف والأواني الدقيقة، والصناعات المعدنية والحرف اليدوية عموماً، فضلاً عن إنتاج السلع ذات الجودة العالية. ولهذا ظل التجار يقصدون الصين من بلاد العرب والهند، ونشأت شبكة واسعة من التجارة البرية والبحرية ربطت الشرق بالغرب. وكانت السفن التجارية الصينية تجوب البحار قاصدة الهند وعُمان وسيراف والبصرة وسواحل فارس والبحرين، مما يدل على قدم التواصل التجاري والبحري بين سلطنة عُمان والصين، وعلى الدور الرائد الذي لعبته الموانئ العُمانية في ربط حركة التجارة في آسيا بشكل عام، فضلاً عن ارتباطها بما عُرف بطريق الحرير، الذي تحاول الصين إحياءه الآن من جديد.
وامتداداً لهذا التواصل الحضاري والتجاري العريق، تُعد العلاقات العُمانية الصينية من العلاقات الضاربة بجذورها في عمق التاريخ الإنساني، منذ عهد البحّار العُماني أبي عبيدة، الذي لقبه الإمبراطور الصيني بسفير النوايا الحسنة والأخلاق الحميدة، لما عُرف عنه من حسن الخلق والمعاملة. وقد تطورت هذه العلاقات في عهد السلطان الراحل قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- مع إقامة العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين سلطنة عُمان وجمهورية الصين الشعبية عام 1978. ويحرص جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم على الانتقال بهذه العلاقات إلى مرافئ أرحب، من خلال زيارة الدولة التي يقوم بها حالياً إلى جمهورية الصين الشعبية، لتوثيق عُرى التعاون الاقتصادي والسياسي على مختلف المستويات الرسمية والشعبية.
ويبقى التأكيد على أنَّ العلاقات العُمانية الصينية لا تستند إلى المصالح المُشتركة في الحاضر فحسب، بل تستمد جانباً مُهماً من عمقها من تاريخ طويل من التواصل والتبادل الحضاري والتجاري، وهو ما يمنحها أرضية راسخة للانطلاق نحو آفاق أوسع من التعاون والشراكة في المستقبل.