تسليع العلاقات: كيف حوّلت ثقافة الاستهلاك صداقاتنا وحبنا إلى سلع قابلة للاستبدال؟


هذا الخبر بعنوان "تسليع العلاقات والصداقات | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في كتابه «الحب السائل»، يكشف عالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومان (1925- 2017) كيف غيّرت ثقافة الاستهلاك مفاهيم الحب والصداقة، وجعلت الروابط الإنسانية أكثر هشاشة وأقل استقرارًا. يطرح السؤال: هل علاقاتنا حقيقية أم أننا نبحث عمن يمكن استبداله بسهولة؟
نشر باومان ما يقارب 75 كتابًا وأكثر من 100 مقال، وكتب سلسلة من ثمانية كتب عن السيولة: الحداثة السائلة، الحياة السائلة، الأزمنة السائلة، الثقافة السائلة، الخوف السائل، الحب السائل، الشر السائل، والمراقبة السائلة. تناولت معظم كتاباته مواضيع العولمة، الحداثة وما بعد الحداثة، المادية (الاستهلاكية)، والنظام الأخلاقي. وبسبب الأوضاع غير المستقرة في بولندا آنذاك، اضطر باومان للتخلي عن جنسيته البولندية لمغادرة بلاده، فانتقل إلى إسرائيل للدراسة في جامعة تل أبيب، ثم غادرها بعد ثلاث سنوات إلى لندن حيث استقر.
في مقابلة له عام 2011 مع مجلة «بوليتكا» البولندية، انتقد باومان إسرائيل، معتبرًا أنها لم تكن مهتمة بالسلام، بل كانت تستخدم الهولوكوست كذريعة لشرعنة أفعالها. يتناول كتابه «الحب السائل» العلاقات الاجتماعية، مشيرًا إلى أن الاستهلاك في عالمنا اليوم يشمل حتى العلاقات بين البشر، فقد تنتهي بضغطة زر لحظر شخص (Block) تمامًا كما تُعاد سلعة غير مرغوبة إلى المتجر. تتحول مشاعرنا إلى «قصص» (ستوري) تُقاس صحتها وروعتها بعدد المشاهدات، وتُقاس صداقاتنا بعدد المتابعين لا بقيمة الصداقة ذاتها.
يرى باومان أن الاستهلاك تجاوز السلعة المادية ليشمل العواطف والعلاقات الإنسانية، واصفًا كيف أصبحنا نعتمد على إنشاء علاقات فضفاضة تنتهي بأقل جهد ممكن عند العثور على بديل. هذا الاستهلاك الرقمي المتزايد للتواصل يجعلنا، كما يقول، مراقبين باستمرار، مما ينتج ما يسميه «الخوف السائل» والقلق الدائم مما يحمله المستقبل. وعندما تتلاشى المسؤولية تجاه الآخر، يصبح من السهل إلقاء اللوم على الآخرين.
يدعو باومان إلى مقاومة هذه السيولة عبر بناء روابط ثابتة، ويدعو إلى الوعي بما سيفعله الاستهلاك النهم بعلاقاتنا ومشاعرنا عند التعامل معها دون تأمل. ويضيف أن المقاومة قد تبدأ بسؤال بسيط: قبل أي علاقة أو تواصل، هل أتعامل مع الشخص كإنسان أم كسلعة؟
لقد أصبحت علاقاتنا الاجتماعية والأسرية على المحك، نتعامل معها كأدوات ميكانيكية تفتقر إلى الروح والمشاعر. ما نلاحظه في حياتنا خطير للغاية، وخطورته تكمن في عدم شعورنا به لأنه أصبح جزءًا من ثقافتنا ووعينا. تتحول المناسبات الإنسانية والأسرية (كعيد الأم، ذكرى الزواج، أو عيد الميلاد) إلى مواسم لبيع المنتجات، وكأن التعبير عن الحب مرتبط بشراء هدية، وينطبق هذا أيضًا على أعيادنا الدينية كعيد الفطر والأضحى المباركين.
هناك «اقتصاد الانتباه» الذي تُستغل فيه العواطف (الحزن، التعاطف، الفرح، الغضب) لجذب المتابعين والإعجابات، ويُقاس التفاعل الرقمي بقيمة الشخص لا المحتوى. وهناك «الاستهلاك العاطفي»؛ حيث تصمم بعض الشركات منتجات وخدمات تخاطب «الحنين» أو «الوحدة» أو «الرغبة في الانتماء»، فيشتري الشخص شعورًا مؤقتًا بالرضا عبر سلعة ثم يتخلص منها. وهناك «علاقات المصلحة» أو «علاقات الترانزيت» التي تنتهي فور انتهاء المنفعة المتبادلة. وثمة علاقة أخرى يمكن تسميتها «التكافؤ المادي الصرف»، حيث يتم اختيار الأصدقاء من طبقة اقتصادية أو مهنية معينة لخدمة أهداف تسويقية أو وظيفية، فيما يُعرف بالـ Networking المبالغ فيه، مما يضع الشخص حاجزًا أمام شرائح المجتمع الأخرى.
ناهيك عن تسعير المشاعر عبر الدعم المعنوي أو ظاهرة الإنصات والفضفضة، كثمن لخدمات مدفوعة أو مشروطة بمقابل مادي أو عيني، بدلًا من أن تكون نابعة من التضامن والحب والشفقة الإنسانية. بذلك تتحول الروابط الإنسانية القائمة على المودة والدعم والتعاطف إلى «صفقات تتبادل فيها المصالح» المادية أو المعنوية، ويُقاس الشخص بقيمته النفعية وما يمكنه تقديمه من مكاسب.
الآثار النفسية والاجتماعية المترتبة على هذه العلاقات قد تؤدي إلى الشعور بالوحدة والفراغ العاطفي، والاضطرار لارتداء أقنعة لإرضاء الآخرين، مما يؤدي في النهاية إلى تفكيك النسيج الاجتماعي وتحويل المجتمع إلى مجموعة من الأفراد المتنافسين بدلًا من المتعاونين. إن تحويل اللحظات الصادقة إلى محتوى استهلاكي سريع يُفقده عمقه الاجتماعي الفطري الأصيل، ويجرده من مشاعره ودفئها الحقيقي.
المشاعر الحقيقية لا تُباع ولا تُشترى، ولا تحتاج إلى إعلان أو تسويق أو عرض في واجهات المحلات التجارية، بل هي قيمة روحية تُبنى بالمواقف الصادقة والاهتمام المشترك، بعيدًا عن صخب السوق والتسليع. نحن بحاجة إلى إعادة بناء علاقاتنا على أساس الجودة وعمقها النفسي، بدلًا من الروابط السطحية، والتواصل بلا مصلحة أو حاجة، ووضع حدود واضحة بين علاقات المنفعة والصداقات الحقيقية التي تبحث عن الشعور الصادق والمحبة والأمان. يجب أن نحب في الله ونبغض في الله؛ فالإنسان ليس منتجًا، والصداقة ليست سوقًا. والقيم الإنسانية كالوفاء والصدق والتعاطف هي الوعاء الحقيقي للروابط، وبدونها تصبح العلاقات مجرد عقود مؤقتة خالية من الروح والمحتوى.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة