لماذا يُبغض الناس المضيئين؟ قصة الطهارة والحسد عبر التاريخ


هذا الخبر بعنوان "فقط لأنك مُضيء في الظُلمة! | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في رحلة عبر الزمان والمكان، نستعرض كيف أن النور قد يُثير الظلام، وكيف أن الطهارة قد تُقابل بالكراهية. يتجلى هذا المفهوم بوضوح في قصة قوم لوط عليه السلام، حيث قال تعالى: ﴿ أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ﴾ (النمل: 56). لم يكن سبب الإخراج هو الاعتداء أو الفساد، بل الطهارة نفسها. أراد القوم إبعاد من يُذكرهم بما يتجنبونه، ولم يستطيعوا إصلاح أنفسهم، فاختاروا إقصاء الطاهرين.
تكمن المفارقة في أن الكراهية قد تنبع لا من أذى لحق بالآخر، بل من إزعاج وجوده المشرق لظلام النفس، ومن أن نقاء الشخص يزعج قذارة الآخر. فالإنسان قد يرى في الآخر تفوقًا ونقاءً وتمسكًا بالمبادئ، فيتحول إعجابه المكبوت إلى غيرة، ثم إلى كراهية، ليبدأ في محاولة إقناع الآخرين بعيوب زائفة.
تُذكرنا قصة يوسف عليه السلام بهذا المعنى. لم يفعل يوسف شيئًا لإخوته، لكن غيرتهم من محبة أبيهم له ولأخيه دفعتهم إلى الكيد له، قائلين: ﴿ إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ [يوسف: 8]. لم يعالجوا غيرتهم، بل فكروا في التخلص منه. هذا هو حال الحسد حين يستقر في النفس؛ بدلًا من الإصلاح الذاتي، يسعى لانتزاع ما لا يملكه الآخر.
وفي كتب التراجم، تُروى حكاية الجرباء بنت قسامة، التي قيل إن جمالها الشديد دفع النساء إلى إطلاق لقب منفر عليها تجنبًا للاعتراف بتميزها. كما تُحكى قصة امرأة قاومت جنديًا أثناء اعتداء على قريتها، فقتلتْه، لكن النساء قمن بقتلها بدافع الغيرة والخوف من أن تبدو أشجع منهن.
يطرح هذا تساؤلًا مؤلمًا: كيف يمكن لنجاح إنسان في المقاومة أن يتحول إلى سبب للاغتيال ممن يُفترض أن يتفهمن وضعه؟ والأشد إيلامًا أن الكراهية تنتقل كالسُم، من شخص لآخر، تتضخم بالظنون، حتى يصبح العشرات يكرهون شخصًا لم يؤذهم، بل لأنهم يرون فيه صورة رسمها لهم آخرون يعانون من الغيرة والحسد والحقد، ولا يحتملون نور هذا الشخص النقي.
قد يجد الإنسان الطيب نفسه محاطًا بالكراهية، ليس بسبب أفعاله، بل لما قيل عنه، أو لاختلافه عن الآخرين، أو لامتلاكه شيئًا أثار غيرة لم يرغبوا بالاعتراف بها. وتكشف قصتا لوط ويوسف أن اجتماع الناس على شخص لا يعني أنه سيئ، بل قد يعني أنه يتميز عنهم بمستوى من الإشراق والنقاء لا يستطيعون الوصول إليه، وأن الجماعة اتفقت على نبذه كما فعل آل لوط وإخوة يوسف.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة