عُمان
منوعات

أمينة وقهوة السعادة: يوميات بائعة يانصيب وببغاء ناطق في القاهرة

الرؤية٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٦:١٦ م0 مشاهدة
أمينة وقهوة السعادة: يوميات بائعة يانصيب وببغاء ناطق في القاهرة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "عشان عيونك يا أمينة (1) | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

استيقظت أمينة على جمال عينيها وهي تتأمل انعكاسها في المرآة، حيث خط الكحل السميك حول جفونها ورموشها التي استفاقت من سبات عميق. كافحت لتصفيف خصلتها العريضة، محاولةً إخضاعها لبرودة ورطوبة هواء القاهرة. ارتدت ثوبها الأزرق الفاتح المزخرف بزهور بيضاء، ثم غادرت شقتها مسرعةً بعد أن أغلقت الباب. نزلت الدرجات بخفة، مستشعرةً بداية فصل الخريف الذي ترك بصماته على الأوراق المتساقطة. كانت عيناها تتجولان بين المارة، تبحثان عن أي وجه غريب، بينما كانت كنوز ملابسهم وأفكارهم المتناثرة تلفت انتباهها، وعيونهم الفضولية تتأمل جمالها.

بعد أن عبرت مسافة قصيرة في الحي الذي تسكنه، وجدت أمينة نفسها أمام باب مقهى عند الفجر. بدأت بوضع الكراسي في دوائر، ومسح الغبار عن الطاولات، وترتيب الأكواب الزجاجية وتنظيفها بعناية. حان موعد فتح المقهى، الذي يُعرف بـ "قهوة السعادة"، وهو مكان يعكس روح الحرية في الحي. يرتاده أهل المنطقة المولعون بالحياة، وعماله يؤمنون بأهمية المزاج الرائق والكافيين الذي يرافق جلسات المثقفين، من طلاب الجامعات الوطنية والباحثين عن معنى الحرية والمطالبين بالحقوق المنسية. تتناثر بينهم الكتب والكلمات المبعثرة في الكراسات، ويشكل السجال والنقاش المتواصل متعة لهم. يحوم الطلبة حول المكان، ويدفعون جيدًا لصاحبة المقهى، فهم زبائن دائمون، وأحيانًا ما تكون أعدادهم كبيرة كأسراب الطيور. يفضلون المقهى في الخريف والشتاء، بينما يناديهم الربيع إلى الحدائق والصيف إلى الشواطئ.

يتصاعد دخان الجوزة بخفة، وهي تدخنها "المعلمة تفيدة"، صاحبة المكان، التي تتمتع بحنكة وحكمة، وتوجه أوامرها للعابثين باسم المقهى. تضع تفيدة أساور تبدو مرتبكة لكنها توحي بالحمد والنعيم. تنادي تفيدة أمينة بصوت عالٍ: "خلصتي يا أمينة؟ عايزين الزباين تخُش!"، فتجيب أمينة: "شوية كده وحخلص يا خالتي، سواني!".

أعادت أمينة كل كوب إلى مكانه بعناية، ونظرت نحو الباب الزجاجي. انفتح الباب ليُدخل صوتًا غير بشري، صوت ببغاء يتكلم. ظهر ببغاء ذو ريش ملون، وعينين جميلتين، وقلب أبيض كما يعتقد صاحبه، "حسب الله إبراهيم"، الذي يلقبه الجميع بـ"حسب الله كوكتيل". صدح الببغاء ببساطة: "كوكتيل! كوكتيل!.. طيب أوي!".

إعلان الببغاء عن نقاء قلب صاحبه أمام الجميع دليل على أنه يواجه الكثير من الأشرار ويفهم تقلبات الدنيا. ولكي يأكل جيدًا، يعين كوكتيل على بيع بطاقات اليانصيب. لكن قبل كل شيء، يحتسي حسب الله كوكتيل كوب شاي "في الخمسينة". يسأل كوكتيل المعلمة تفيدة: "صباح الفل يا أحلى مِعلِّمة في المنطقة دي كلها!"، فتجيب تفيدة: "صباح الخير يا كوكتيل، جوزة ولا كُوباية شاي خمسينة؟". يرد كوكتيل: "استغفر الله… ما تديني شاي خمسينة وخلاص مش عايزين جوزة من الصبح!". تسأله تفيدة: "ليه يا كوكتيل، مالكش في الروقان؟!".

تنادي تفيدة بأعلى صوتها لأمينة، التي كانت مشغولة في المطبخ مع الصبي "مصطفى ولعة"، يحضران الفطور الصباحي: دوائر لبيض مسلوق، فول بالزيت الحار، وخبز طازج. ارتبكت أمينة أمام التحضيرات اليومية وصوت تفيدة التي تأمر بتحضير الشاي لحسب الله كوكتيل، أول زبون. يقول مصطفى ولعة: "كوكتيل بيعلم الببغان يهزر ويرقص شرقي، وينط كمان زي البهلوان!". تعلق أمينة: "ده الببغان غلبان وبيسمع الكلام، إيه رأيك نشتغل في السيرك يا مصطفى؟"، فيجيب مصطفى: "ما بعرفش أنُط!". تضحك أمينة وتقول: "كنت بهزر!، ومين غيرك حيولع الفحمة ويجيب المزاج الحلو للزباين." مصطفى ولعة، ابن الحي المعروف بعشرته الحلوة، يقدم لأمينة صينية صغيرة فيها كوب الشاي.

تخرج أمينة بكوب الشاي أمام المعلمة تفيدة وحسب الله كوكتيل. تود أن تضحك وهي ترى ملابس كوكتيل الكرنفالية: بنطال أحمر، رأس أصلع، عيون جاحظة، وقلب يخفق كالأطفال، وقبعة جلدية صغيرة تختبئ في حقيبة كبيرة يحملها. يشرب كوكتيل الشاي الخمسينة جالسًا قرب نافذة كبيرة، تُظهر المارة الجادين السائرين في خطوط طويلة، قلوبهم قلقة، وأسئلتهم تتجه نحو دروب معتمة حول الأيام القادمة. بينما يخرج كوكتيل بطاقات اليانصيب التي يبيعها للمحظوظين، منتظرًا أن يقبل أحدهم ليشتري منه بطاقة واحدة.

شارك الخبر: