الشيخة حليمة الكندية ترثي الشيخ هاشم الطائي: مزيج من الحزن الديني والأخلاقي


هذا الخبر بعنوان "رثاء الشيخة الفقيهة حليمة الكِنْديّة للشيخ القاضي هاشم بن عيسى الطائي | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتناول هذه القراءة الأسلوبية قصيدة الرثاء التي كتبتها الشيخة الفقيهة حليمة الكنديّة في ابن أختها، الشيخ القاضي هاشم بن عيسى الطائيّ. تتجاوز القصيدة حدود الحزن الشخصي لتصل إلى توجيه القراء نحو التسليم بقضاء الله والإيمان بحكمته، مع استحضار الأثر العميق للشيخ هاشم في المجتمعين العلمي والفقهي. يتجلى في الأبيات تشابك عاطفة الفقد مع قيم التقوى والرضا والصبر.
من هي الشيخة حليمة الكنديّة؟
الشيخة حليمة بنت الشيخ الفقيه العلّامة سعيد بن ناصر بن عبد الله الكِنْدِيَ (1919 - 2002)، وهي ابنة السيدة عِيْنَة بنت ناصر بن عامر الطائيّ. جمعت الشيخة حليمة بين العلم الأصيل والنسب الرفيع، فمن جهة أبيها تنتمي إلى قبيلة كِنْدة، ومن جهة أمها إلى قبيلة الطائي. تعود جذور القبيلتين إلى سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وقد نذرت هاتان القبيلتان ذرياتهما لخدمة علوم الشريعة الإسلامية وأصول الدين ونسخ الكتب. وقد حازا شرف تبليغ الرسالة المحمدية في أرجاء الإمبراطورية العُمانيّة القديمة وحواضر إفريقيا، وكان لهما دور في نقل أصول المذهب الإباضيّ عبر الأجيال من خلال المخطوطات التي لا تزال محفوظة في المكتبات والمجموعات الخاصة. ويُذكر أن الأخ الأكبر للشيخة حليمة، سليمان بن سعيد الكنديّ، تزوج مرتين من فتاتين من قبيلة الطائي، ورُزق بخمسة أولاد ذكور، أربعة منهم عاشوا في نزوى، بينما عاش الخامس في مدينة جوادر في إقليم بلوشستان تحت الحكم العماني.
من هو الشيخ هاشم الطائيّ؟
الشيخ الفقيه القاضي هاشم بن عيسى بن صالح بن عامر بن سعيد بن عامر بن خلف الطائي. كان والده الشيخ عيسى بن صالح قاضي قُضاة مسقط في عهد السلطانين تيمور بن فيصل وابنه سعيد بن تيمور. ورث هاشم النباهة والحصافة عن جده الشيخ القاضي صالح بن عامر وجده الأعلى الفقيه القاضي سعيد بن عامر. تربى الشيخ هاشم في حِجْر جده لأمه العلامة القاضي الزاهد سعيد بن ناصر بن عبد الله الكندي. تزوج الشيخ هاشم بن عيسى الطائي من أربع نسوة، اثنتان منهن من آل كِنْدة، وواحدة من آل السمائلي، والرابعة من بني فلاح. أعقب من الكنديّتين ستة عشر ولدًا، ومن زوجته الأولى جوخة بنت أحمد الكندية عشرة أولاد (أربعة ذكور وست إناث)، ومن زوجته الأخرى علياء بنت سعود بن سليمان الكندية ولد واحد وخمس بنات. عاش معظم حياته في بوشر. ترك الشيخ هاشم الطائي آثارًا علمية وشعرية متناثرة، وطُبع له كتاب (دليل المحتار في شرح بهجة الأنوار)، واشتهر بقصائد تحث على طلب العلم، وبرع في المديح، ومن قصائده المتداولة مديحه للسلطانين سعيد بن تيمور وقابوس.
اتجاهات الرِّثاء والسمات الأسلوبية:
تندرج قصيدة الشيخة حليمة الكندية ضمن الرثاء الأخلاقي والديني. تتميز لغتها الشعرية بمرجعية تراثية، وتتسم بنبرة المناجاة والدعاء والوعظ، مع سرد محدود ودراما تنبع من غرض الرثاء. تبرز في القصيدة سمات أسلوبية كبرى: أولها التكثيف الديني، حيث تُوجّه تجربة الموت والفقد نحو الرجاء والرضا والإيمان. ثانيها التكثيف الوجداني، الذي يعيد بناء الحزن الشخصي في مشاهد تخييليّة ذات أثر عاطفي. ثالثها التكثيف الأخلاقي، حيث تتحول ذكرى وفاة الشيخ هاشم إلى نموذج للفضيلة، ويصبح رثاؤه وسيلة للتأبين والاعتبار.
على صعيد آخر، رُصدت ثلاثة اتجاهات رئيسة في هذا النوع من الرثاء: الرِّثاء الوَعْظيّ، الذي يهدف إلى استخلاص العبرة من الموت ودعوة الناس إلى الرضا والصبر. الرِّثاء التأبينيّ، الذي يُعَدِّد صفات المرثي ومناقبه الدينية والاجتماعية والخلقية. والرثاء الوجدانيّ، الذي يعبر عن ألم الفقد العميق.
المعنى المركزي للقصيدة:
لا يُنظر إلى الموت في هذه القصيدة كمفهوم بيولوجي، بل كفلسفة حياتية تدعو إلى تقييم السلوكيات وإعادة التفكير في الحياة كدار عمل ومعبر إلى الخلود. تحوّل الشاعرة مناقب الشيخ هاشم الطائي إلى معيار أخلاقي، وتدعو المتلقين إلى الاقتداء بالقيم التي جسدها. وظفت الشيخة الكنديّة الصور البلاغية لتجسيد المعاني المجردة، حيث يمثل الربيع الحياة والتجدد، والنبع العطاء، والنعش المشهد الجنائزي، والمحراب العبادة. يهيمن الحقل الديني على المعجم الشعري، ويتفاعل مع حقول الحزن والفقد والقرابة والأخلاق والزمن. يرتكز المعنى المركزي للقصيدة على محورين متوازيين: شدة الفقد من جهة، والتسليم بالمشيئة الإلهية من جهة أخرى.
اتجاهات الإيقاع وأنماط التواتر:
تتوزع مفردات القصيدة على صيغ متقاربة واشتقاقات متضافرة دلاليًا لتكوين مركز الثقل. تُميّز ثلاثة أنماط من التواتر: التواتر الاشتقاقيّ (مثل: يبكيك، وتبكيك، وبكاء)، والتواتر اللفظيّ المباشر (مثل: الله، واللهُمّ، ويمضي)، والتواتر الدلاليّ (مثل: الموت، الفقد، النعش، القبر، المصيبة). أما الاتجاهات الإيقاعية، فتشمل الإيقاع الوعظيّ (الجمل التقريرية عن الموت وفناء الدنيا)، والإيقاع الرثائيّ (التكرار والتراكم الوصفي)، والإيقاع الدُّعائيّ (النداء والطلب والتضرع).
البنية الموضوعية والوصفية:
تتسم القصيدة ببنية مركبة تتداخل فيها الصورة الشعرية الغنائية مع الوعظ الديني والتأبين الأخلاقي، مما يحول الحزن إلى تأمل في الموت والفضيلة والمصير. تتدرج البنية الموضوعية من الحمد والدعاء إلى الفقد والمناقب والموعظة والرجاء الأخروي، وتربطها مرجعية دينية واحدة. تتوازن البنية الوصفية بين الصفات الثابتة للمرثي (الكرم، التقوى، الزهد) وأفعاله وأثره في الآخرين. يسهم التوازي والتكرار والتراكم الوصفي في الترابط الداخلي، ويهيمن الأسلوب الشعري، بينما يظهر السرد بصورة محدودة، وتتجلى الدرامية في المشاهد التخيلية، وتظهر المناجاة كشكل مركزي للخطاب.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة