عُمان
ثقافة

الحب الحقيقي: كيف يتجاوز الملل ويكتشف بصيرة العين الثالثة؟

الرؤية٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٤:٥٤ م0 مشاهدة
الحب الحقيقي: كيف يتجاوز الملل ويكتشف بصيرة العين الثالثة؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "للحب الحقيقي عين ثالثة | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

هل يتراجع الحب الحقيقي أم أن ما نشعر به هو فتور ناتج عن نمطية الحياة؟ غالبًا ما يختلط الملل بالحب، فنبحث عن أسباب داخل العلاقة بينما قد يكون المصدر أوسع من حدودها، ويكمن في إيقاع الأيام وأعبائها وتكرار التفاصيل الذي يفقد الحياة قدرتها على الإدهاش. الإنسان لا يعيش بمشاعره وحدها، بل يتأثر بما حوله، والمألوف، على ما يحمله من أمان، قد يصبح أقل قدرة على إثارة الحماس ليس لأنه فقد قيمته، بل لأن اعتيادنا عليه غير طريقة استقبالنا له. هناك فرق بين تغير شعورنا تجاه شخص، وتغير قدرتنا على الاستمتاع بتفاصيل الحياة التي تجمعنا به، وهذا الفرق قد يحمي الكثير من العلاقات من أحكام متعجلة.

أثارت دراسة لعالم النفس الأمريكي آرثر آرون وزملائه عام 2000 مشكلة الملل العاطفي، وقدمت مدخلاً لفهمها والخروج منها. أشارت الدراسة إلى أن مشاركة الشريكين في أنشطة جديدة ومثيرة قد تُسهم في تحسين جودة العلاقة. وأبحاث لاحقة تناولت دور الرتابة في نشوء الملل العاطفي وما يترتب عليه من تراجع في المبادرة، فتتشكل دائرة يغذي فيها غياب الجديد الملل، ويقلل الملل بدوره الشغف والرغبة في كسر الروتين.

التجديد هنا لا يعني بالضرورة مغامرات، بل أن تظل العلاقة مساحة قابلة للاكتشاف، يرى فيها كل طرف الآخر خارج الصور المعتادة. قد يكون في منح بعضنا مساحة للاستقلال والنمو، لأن من يواصل اكتشاف العالم وتطوير ذاته يأتي علاقته بخبرات وأسئلة ورؤى جديدة، لا بتكرار وجه الأيام وثباته.

أنضج ما يمكن أن نبدأ به حين نبحث عن حل ليس السعي وراء نشاط جديد، بل الإصغاء إلى ما يقوله الملل دون استعجال في تفسيره. بدلًا من أن يتحول الفتور إلى اتهام صامت أو اختبار لمقدار الحب، يمكن أن يصبح مدخلاً لحوار هادئ يكشف ما افتقدناه في أيامنا. يفيد في ذلك أن يخصص الطرفان وقتًا منتظمًا يبتعدان فيه عن الشاشات ويتحدثان عما يشغلهما حقًا، وأن يصنعا لحظات مختلفة ولو كانت بسيطة، كزيارة مكان غير مألوف أو استعادة عادة جميلة انحسرت تحت ضغط الحياة، أو التعبير عن تقدير يظل حاضرًا في القلب حتى حين يغيب الكلام. الأفعال طريق لإنعاش النبض، والتفهم والاحتواء بلسم يُلطِّف أي توترات أنتجتها نمطية العالم من حولنا. ذكاء المحبين يدفعهم باستمرار كي لا تصبح العلاقة بينهما المصدر الوحيد للمتعة أو المسؤولة الوحيدة عن سعادتنا، وأن نستطيع القول إننا متعبون دون أن يفهم الآخر ذلك رفضًا له. بعض الملل قد يكشف عن خلافات متراكمة أو احتياجات مهملة أو خلل أعمق يحتاج إلى مواجهة، ولذلك تظل معرفة مصدر الشعور أهم من الإسراع في التخلص منه.

قد لا يكون ما نحتاج إلى تغييره هو الشخص الذي نحب، بل الطريقة التي نحيا بها معه. قد لا يكون الملل أحيانًا رسالة تطلب منا الرحيل، بقدر ما هو سؤال يدعونا إلى مراجعة ما اعتدناه حتى فقدنا الإحساس به. الحياة لا تمنحنا الدهشة في صورتها الأولى إلى الأبد، وقدرة العلاقات على الاستمرار تتأثر بما نمنحه لها من اهتمام وصدق ومرونة، وبقدرتنا على التمييز بين ما انتهت صلاحيته فعلاً وما غطاه غبار الاعتياد. من أقسى الأخطاء أن نحمل الآخرين مسؤولية كل ما يتغير في داخلنا، أو أن نستبدل الأشخاص كلما فقدت الحياة بريقها، دون أن نتساءل إن كنا نحمل نظرتنا القديمة إلى كل تجربة جديدة. العالم الذي يسكننا يشارك في تشكيل العالم الذي نراه، ومن لا ينتبه إلى حالته الداخلية يغير المشهد مرارًا ويظل يشعر بالفراغ ذاته. أما حين نفهم أنفسنا ونجدد خبراتنا، فإننا لا نضمن اختفاء الملل، لكننا نحوله من تهديد غامض إلى إشارة مفهومة نتصالح معها ونقاوم آثارها لصالح قلوبنا.

ربما لا تكمن قيمة الحب في قدرته على إبقائنا مبهورين طوال الوقت، بل في قدرتنا على صيانته حين تخفت الدهشة. ليس كل ما يفقد دهشته يفقد قيمته، وليس كل ما يخفت بريقه قد انطفأ. بعض الأشياء لا تغيب عن حياتنا، وإنما يغيب انتباهنا إليها، وهنا يصبح التجديد فعل وعي قبل أن يكون تغييراً في التفاصيل. الاعتياد وإن كان آفة الحب ليس قدره المحتوم، والحب الحقيقي لا يموت بالملل حين ينتبه له من يحبه ويدرك أن الفتور عارض يحتاج إلى علاج. المشاعر كلها تعرف مراحل من الضعف ثم تقوى بمن يعيشونها بصدق ويتشاركون عناء الحفاظ عليها. الآفة التي تتسلل إلى القلوب في صمت لا تهزمها المفاجآت الكبرى، بل الانتباه الصغير المتجدد كل يوم. وحين نتعلم أن نرى من نحب بعين ثالثة، ندرك أن للحب الحقيقي بصيرة لا تراها العينان. العين الأولى ترى الظاهر وتألفه، والثانية تحصي العيوب وتقيس التغير. أما الثالثة فهي التي تبصر ما استقر خلف الظاهر، وتعرف أن من أحببناه لم يتبدل في حقيقته مهما تبدلت الأحوال، فتجدد النظر إليه كل يوم وتكتشف فيه ما لم تكتشفه من قبل. بهذه العين ندرك أن الزمن يضيف إلى العلاقة في كل موقف وكل تصرف وكل لحظة طبقة من المعرفة بتفاصيل جميلة في الحبيب، وأن أجمل ما في الحب أن يبقى الحبيب في موضعه، بنظرته ومودته ورحمته واحتوائه.

نحن نمر بظروف تغير أساليبنا في التعامل مع بعضنا دون أن تمس جوهرنا. جوهر الحب الحقيقي لا تعصف به الأيام، وإنما يستتر خلف التعب حتى تعود إليه عين تعرف كيف تراه. وحين تعود نكتشف أن ما ظنناه فتورًا لم يكن إلا غبار الأيام على معدن لا يصدأ، فنعود إلى حبه من جديد، سالكين نحوه طرقًا لم نسلكها من قبل، وبوسائل لا تنتهي.

شارك الخبر: