المرأة: قوة القلب التي تتجاوز كل الاعتبارات في حياة العمانيين


هذا الخبر بعنوان "إنها المرأة | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في إحدى الدورات التدريبية للغة الإنجليزية، تذكرتُ معلمة قررت العودة إلى وطنها رغم عدم وجود فرصة عمل جديدة. كان الدافع هو حاجة والدتها المسنة إليها، فلم تستطع البقاء بعيدة عنها، تاركةً وراءها عملها وحياتها دون معرفة ما يخبئه المستقبل. وفي موقف آخر، شاهدتُ زميلةً تبكي وهي تستكمل إجراءات مغادرتها وتسلم مستحقاتها للعودة إلى بلدها. كانت قد اغتربت لتوفير نفقات رعاية طفلها من ذوي الإعاقة، الذي تركته في دار رعاية متخصصة تتكبد تكاليف باهظة، وكان عقد عملها يغطي جزءًا من هذه المصاريف. لكن طفلها لم يتحمل غيابها، فقررت العودة إليه، متخليةً عن عملها ودخلها دون خطة واضحة لكيفية تدبير أمورها.
إنها المرأة؛ فعندما يتحدث قلبها، تتراجع أمامه كل الحسابات. في هاتين الحكايتين، لم يكن القرار مجرد عودة للوطن أو ترك للعمل، بل كان وراءه قلبٌ لم يحتمل البعد عن أحبائه. امرأةٌ لم تستطع المضي في حياتها وأمها بحاجة إليها، وأخرى لم يحتمل قلبها بعد طفلها عنه وهو في أمس الحاجة لوجودها. قد لا ندرك حجم معاناتهما أو ما دار في نفسيهما قبل اتخاذ القرار، لكننا نتعاطف مع قلبٍ وجد نفسه أمام خيار صعب بين احتياجاته الشخصية ومن لا يستطيع الاطمئنان إلا بقربه.
تكشف لنا هذه المواقف عن مكانة المرأة الأقرب إلى قلوبنا، ودورها المحوري في حياتنا. أتأمل المرأة فأجد أمي التي بقي حبها خالدًا رغم رحيلها، وأختي التي تربطنا بها صلة لا تنفصم، وزوجتي التي تشاركني دروب الحياة، وابنتي التي أرى في ابتسامتها فرحًا لا مثيل له. لكل منهن مكانتها الخاصة وأثرها العميق، وما يجمعهن هو أن للمرأة في حياتنا مساحة فريدة لا يشغلها أحد سواها.
وللمرأة مكانة عظيمة في الإسلام، فقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالنساء خيرًا، وعندما سُئل عن أحق الناس بحسن الصحبة، قال: "أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم قال: أبوك". ثلاث مرات للأم، تأكيدًا على مكانتها وما تستحقه من بر ورحمة وتقدير. هذه الرسالة تتجاوز الكلمات لتشمل طريقة تعاملنا مع المرأة، سواء كانت أمًا، أختًا، زوجةً، أو ابنة، وما ينبغي أن تجده منا من احترام ورفق وحسن معاملة.
في حاراتنا العُمانية، كانت المرأة وما زالت جزءًا لا يتجزأ من تفاصيل الحياة؛ تجمع أسرتها، تحرص على صلة الأقارب، وتشاركهم أفراحهم وأحزانهم. تمتد محبتها إلى جاراتها، فتفرح لفرحهن، وتحزن لحزنهن، وتسأل عنهن إذا غبن. بحضورها ومشاعرها، كانت تساهم في جعل البيوت أقرب إلى بيت واحد، يجمع أهله المودة ويربط بينهم عادات متوارثة.
وما زالت المرأة العُمانية تحمل هذه الروح في تفاصيل حياتها، محافظةً على صلة الأهل والجيران، وعلى قيم المودة والتراحم. لم تكن المرأة العُمانية بعيدة عن مسيرة النهضة، بل حضرت في ميادين التعليم والعمل والخدمة العامة، مسهمةً في بناء الوطن إلى جانب الرجل، مع اعتزازها بقيمها وهويتها. إن ما حققته من حضور ومشاركة يستحق التقدير، اعترافًا بجهدها وكفاءتها ودورها في مسيرة عُمان، فبناء الوطن مسؤولية مشتركة تتكامل فيها الجهود ويُقدَّر فيها عطاء كل فرد.
في السابع عشر من أكتوبر، نحتفي بيوم المرأة العُمانية، تقديرًا لمسيرتها واعتزازًا بإسهامها في بناء الوطن. إنها مناسبة نستذكر فيها مكانتها، ونجدد فيها التعبير عن تقديرنا لها، على أن يظل هذا التقدير حاضرًا في تفاصيل حياتنا؛ في احترام مشاعرها، والإنصات إليها، وتقدير اختياراتها، والوقوف إلى جانبها حين تحتاج إلينا. قد لا ندرك مكانتها في قلوبنا كما ينبغي إلا حين نتأمل تفاصيل حياتنا، فنكتشف أن حضورها يمنح أيامنا معنى، وأن محبتها تسكن فينا بعمق لا ندرك مداه.
إنها المرأة… التي قد نعجز عن وصف ما يسكن قلبها، لكننا ندرك أثره في حياتنا. وحين نحتفي بالمرأة العُمانية في يومها، فإننا لا نحتفي بمناسبة عابرة، بل نحتفي بقلبٍ له في حياتنا مكان لا يعوّضه أحد… قلبٍ كلما ظننا أننا أحسنا التعبير عن محبتنا له، اكتشفنا أن في داخلنا كلامًا كثيرًا لم تقله الكلمات بعد.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة