عُمان
ثقافة

التنوع الصوتي في عُمان: رحلة بين لهجات الداخل وظفار وعمقها التاريخي

الرؤية١٧ أكتوبر ٢٠٢٦ في ١٢:٢٠ م0 مشاهدة
التنوع الصوتي في عُمان: رحلة بين لهجات الداخل وظفار وعمقها التاريخي

تنويه

هذا الخبر بعنوان "حِسّ اللسان العربي وعراقة اللهجة العُمانية (5) | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يُبرز الاختلاف في النبرات الكلامية داخل البيئة العُمانية دورًا هامًا في توسيع مخارج الحروف الشفاهية، مما يعكس ديناميكية ذكية للحفاظ على فصاحة اللغة. فاللسان البشري بطبيعته يميل إلى النغمات السلسة التي تسهل التواصل، مبتعدًا عن النطق الاصطناعي المتكلف.

تتجلى الفروقات النطقية بوضوح في الحياة اليومية، ففي ولايات الداخلية والظاهرة مثل نزوى وبهلا والجبل وضنك وعبري، تتحد أدوات الاستفهام في لفظة واحدة سهلة، مع حرص أهل هذه المناطق على الحفاظ على دلالات الزمن اللغوية الفصيحة. في المقابل، تختلف التضاريس اللفظية في اللسان الظفاري جنوبًا، في جبال قرا وبادية ثمريت، حيث تتصل الأصول باللغات العربية الجنوبية الحديثة. يظهر هذا الاختلاف في نطق حرف العين، الذي يُحول إلى همزة مخففة في أواخر الأفعال تسهيلاً للنطق، مثل قولهم "سِمِأ" بدلًا من "سمع" أو "قِطِأ" بدلًا من "قطع"، بكسر الحرف الأول وتحويل الآخر إلى همزة ساكنة.

هذا التحول الصوتي المبتكر للتخفيف يتوافق مع الأطروحات اللسانية الحديثة لجامعة ليدز، التي تشير إلى أن ألسنة جبال ظفار تمثل مستودعًا صوتيًا مستقلاً حافظ على الأصوات الأولى بمتانة. وقد أكدت أوراق عمل "ندوة اللغات واللهجات المحكية في عُمان"، التي رعاها مجلس البحث العلمي، هذه الآليات الفطرية للتيسير والتخفيف الصوتي الجبلي، كآلية واعية تحافظ على وقار اللفظ وحيويته عبر العصور.

تظهر هذه الفروقات النطقية والمقارنات الصوتية بين عُمان الداخل وظفار في شواهد ميدانية نادرة تلخص هندسة المخارج الصوتية. فبينما يحافظ لسان الداخل في نزوى وبهلاء وعبري على الترتيب الصرفي الفصيح للكلمات بنطق الجيم كـ "جيم صلبة مجهورة"، وهو ما يُعرف في علم الأصوات العربي التراثي بـ "المجهورة"، ينفرد اللسان الجبلي في ظفار بمخرج "الجيم الشَّجْرِيَّة" التي تخرج من وسط اللسان بنبرة رخوة تتناسب مع البيئة الجبلية. بالإضافة إلى ذلك، يتميز اللسان الظفاري بظاهرة "القلب اللغوي للبنية"، كتقديم وتأخير الحروف في الكلمة تسهيلاً للنطق، مثل نطقهم للفعل "قَتَلَ" بلفظة "لَتَقَ".

يتطابق هذا التباين الصوتي النادر مع "أطروحة اللسانيات الأنثروبولوجية الميدانية" للباحث والمؤرخ العُماني الراحل علي بن أحمد محاش الشحري، الذي وثق في كتابه "لغة عاد" احتفاظ النَّفَس الجبلي والبدوي العُماني بحروف فصيحة أصيلة كـ "الضاد الجانبية القديمة"، التي عجزت لهجات الحواضر المعاصرة عن صونها. وتؤكد أوراق عمل "ندوة اللغات واللهجات المحكية في عُمان" الصادرة عن مجلس البحث العلمي، أن هذا التنوع بين الداخل والجنوب يمثل وثيقة أنثروبولوجية نابضة بالحياة تعيد إنتاج الأصالة اللسانية الأولى للجزيرة العربية.

يبرهن الباحث الدكتور عامر بن أزاد عدلي الكثيري في أطروحته للدكتوراه من جامعة السلطان قابوس وبحوثه الميدانية على "الخصوصية الصرفية والصوتية المستقلة للمجموعات اللهجية في جبال ظفار وتطورها المرن"، متلاقيًا علميًا مع دراسات جامعة نزوى في توثيق أصول "النبر العيني" وإبدال الحروف الحلقية. وتكشف هذه الدراسات عن عمق "التشريح الوجداني والأنثروبولوجي" الذي يرى في هذا التلون كينونة تاريخية ومخزنًا فكريًا عميقًا يحمل شواهد الزمن والوجود.

يتوافق هذا التشريح الأنثروبولوجي الوجداني لتيسير النطق مع الأطروحة اللسانية التطورية للفيلسوف واللغوي الدنماركي "أوتو يسبرسن"، الذي أثبت أن الألسن البشرية تنزع فطريًا نحو السلاسة وتخفيف مخارج الحروف الثقيلة لتسهيل التدفق الدلالي. وتؤكد أوراق عمل "ندوة الخطاب الشفهي والتراث الثقافي في عُمان" أن التنوع الصوتي بين ألسنة الداخل وجبال ظفار ليس تبددًا في البنية، بل هو نظام اتزاني يحفظ جينات الحرف العربي عبر العصور.

خلاصة القول، إن التباين الصوتي بين صرامة جيم الداخل المجهورة وعفوية الجيم الشجرية والضاد الجانبية القديمة في جبال ظفار ليس تبددًا في بنية اللغة، بل هو نظام اتزاني معجز يبرهن على مرونة اللسان العربي في التلون بتلون تضاريس البيئة العُمانية. ويستند هذا التباين في أصوله التاريخية إلى هندسة المخارج الصوتية التي أسس لها العبقري العُماني الخليل بن أحمد الفراهيدي في معجمه "العين". وتلتقي بحوث المؤرخ الراحل علي بن أحمد محاش الشحري في كتابه "لغة عاد" مع أصالة الموروث، لتثبت أن المحكيات المحلية في الجنوب حافظت على جينات الحرف العربي نقية، وعملت كمصفاة واعية تعيد إنتاج فصاحة المنبع الأول للجزيرة العربية دون جمود.

شارك الخبر: