الصين وعُمان: استلهام التجربة الصينية في التنمية المحلية من خلال "التجريب تحت الهرمية"


هذا الخبر بعنوان "من الصين إلى عُمان (2-8) ** | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تستكشف هذه السلسلة، في جزئها الثاني، نموذج الإدارة الصينية الذي يجمع بين التوجيه المركزي والمرونة المحلية، وهو ما يُعرف بـ "التجريب تحت الهرمية". في المقال الأول، تطرقنا إلى مفارقة أساسية في التجربة الصينية: دولة ذات سياسات استراتيجية مركزية قوية، لكنها سمحت للمستويات المحلية باختبار الوسائل المناسبة لتحقيق الأهداف الوطنية. هذا النموذج يثير تساؤلات حول ما إذا كانت كفاءة الإدارة تقاس بتوحيد القرارات أم ببناء منظومة تسمح باكتشاف الحلول وتطويرها وفقًا لاختلاف الظروف.
يشير مفهوم "التجريب تحت الهرمية" إلى إمكانية اختبار سياسات أو ترتيبات اقتصادية وإدارية في نطاقات محلية محددة، ضمن نظام سياسي وإداري يحتفظ فيه المركز بسلطته العليا. هذا لا يعني استقلال الحكومات المحلية، بل يعكس نمطًا من التفاعل بين التوجيه المركزي والمبادرة المحلية، حيث تُختبر بعض الحلول قبل توسيع نطاق تطبيقها. يضيف التجريب المحلي بُعدًا معرفيًا للعملية التنموية، إذ تصبح الممارسة نفسها وسيلة لاختبار الافتراضات والكشف عن المشكلات التي قد لا تظهر في مرحلة التخطيط.
اكتسب هذا النهج أهمية خاصة في الصين نظرًا لاتساعها الجغرافي وتفاوت مستويات التنمية بين أقاليمها. فالمقاطعات الساحلية تختلف عن المناطق الداخلية، والمدن الكبرى تختلف عن المحافظات والبلدات الريفية. تطبيق نموذج تنموي موحد قد يحقق اتساقًا إداريًا، لكنه لا يضمن الكفاءة الاقتصادية أو الاستجابة لخصوصية المكان. أتاح التجريب المحلي التعامل مع هذا التفاوت بوصفه فرصة لاختبار مسارات متعددة لتحقيق أهداف وطنية مشتركة.
من أبرز الأمثلة التاريخية تجربة المناطق الاقتصادية الخاصة، مثل شنتشن، التي أُنشئت في عام 1980 لاختبار ترتيبات اقتصادية أكثر انفتاحًا. لم تقتصر أهمية هذه المناطق على النمو الاقتصادي، بل امتدت إلى دورها في اختبار أدوات جديدة للإدارة الاقتصادية والتعامل مع الأسواق والاستثمارات الأجنبية. قراءة تجربة شنتشن كقرار إداري واحد تختزل مسارًا تاريخيًا أكثر تعقيدًا تداخلت فيه عوامل الموقع الجغرافي، والقرب من هونغ كونغ، وتدفقات الاستثمار، والتحولات الصناعية، والسياسات الاقتصادية، والقدرة على استقطاب العمالة والمهارات.
لم يقتصر التجريب الصيني على المناطق الاقتصادية الخاصة، بل اتخذ صورًا مختلفة في الإصلاحات الزراعية والتنظيمية والإدارية والتنمية الحضرية والريفية. العلاقة بين المركز والمحليات لم تكن دائمًا في اتجاه واحد؛ ففي بعض الحالات جاءت المبادرة من المركز، بينما نشأت ممارسات أخرى على المستوى المحلي قبل أن تحظى بالاعتراف. يكشف هذا التفاعل عن جانب مهم في بنية صنع السياسات الصينية، حيث يمكن أن تتشكل المعرفة الإدارية والتنموية من خلال العلاقة بين التوجيه من الأعلى والخبرة المتولدة من التطبيق في المستويات الأدنى.
تكتسب فكرة المحافظة بوصفها مختبرًا للتنمية معناها المؤسسي. المختبر هنا لا يعني منح الإدارة المحلية حرية مطلقة، بل إتاحة مساحة منظمة لاختبار حلول محددة ضمن أهداف وطنية واضحة، مع وجود آليات للمتابعة والتقييم. يختلف هذا المنهج عن العشوائية الإدارية؛ لأن التجربة تكتسب مشروعيتها من قدرتها على معالجة مشكلة محددة، وإنتاج نتائج قابلة للقياس، وتقديم معرفة تساعد على تحسين السياسات العامة.
تعدد التجارب المحلية لا يمثل دليلًا على نجاح النظام الإداري. فقد تفتقر بعض الحكومات المحلية إلى الكفاءات الفنية أو البيانات أو القدرة التمويلية اللازمة لتحويل المعرفة إلى سياسات فعالة. وقد تنجح تجربة في منطقة نتيجة ظروف استثنائية لا تتوافر في مناطق أخرى. تقييم التجريب المحلي يقتضي النظر إلى نتائجه الفعلية، لا إلى عدد المبادرات. الفرق جوهري بين المشروع الناجح والنموذج القابل للتعلم. القيمة الحقيقية للتجربة تظهر عندما تحدد المؤسسات العوامل التي صنعت النجاح، وتميز بين العناصر المرتبطة بخصوصية المكان وتلك التي يمكن الاستفادة منها في بيئات مختلفة.
تتطلب هذه العملية تحولًا في الثقافة الإدارية، بحيث لا يُنظر إلى تعديل السياسات أو إيقاف المبادرات غير المجدية باعتباره إخفاقًا. التجريب المؤسسي يفترض وجود قدر من عدم اليقين عند البداية، ويستمد قيمته من القدرة على التعامل مع هذا الغموض من خلال البيانات والتقييم والمراجعة. إذا كانت جميع المشروعات مطالبة بالنجاح مسبقًا، تضيق مساحة التعلم.
تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة عند التفكير في مستقبل التنمية المحلية في سلطنة عُمان. شهدت السلطنة توجهًا نحو تعزيز أدوار المحافظات وتوسيع اختصاصاتها في إطار رؤية «عُمان 2040». يطرح هذا التوجه سؤالًا حول مدى قدرة المحافظات على تطوير منظومات محلية للتخطيط والابتكار الاقتصادي، تستند إلى خصائصها الجغرافية والبشرية والاقتصادية، وتتكامل مع الأولويات الوطنية.
اللامركزية الإدارية لا تتحول بالضرورة إلى لامركزية تنموية ما لم تقترن بقدرة فعلية على تحديد الفرص الاقتصادية واختبار جدواها وإدارة المخاطر. كثرة المشروعات لا تعني بالضرورة نشوء اقتصاد محلي متنوع أو قادر على توليد الدخل وفرص العمل. التحدي هنا مرتبط بنوعية القرارات التنموية، ومدى استنادها إلى قراءة واقعية لموارد المكان واحتياجات السوق وإمكانات المجتمع المحلي.
في الحالة العُمانية، يبرز التباين بين المحافظات والولايات. المقومات الاقتصادية في محافظة ظفار تختلف عن تلك المتوافرة في شمال الباطنة أو الوسطى أو مسندم أو الداخلية. تملك بعض المناطق فرصًا في السياحة والتراث، بينما تتمتع أخرى بإمكانات زراعية أو بحرية أو صناعية أو لوجستية. من غير المنطقي أن يؤدي الهدف الوطني المشترك إلى استنساخ الأدوات والمشروعات ذاتها في جميع هذه المناطق؛ لأن العدالة التنموية لا تتحقق بالضرورة من خلال تشابه المشروعات، وإنما من خلال إتاحة فرص متكافئة للمناطق لاستثمار مواردها وميزاتها النسبية.
يمكن النظر إلى التجريب المحلي باعتباره أحد المسارات التي تستحق الدراسة ضمن تطوير الإدارة التنموية للمحافظات. فقد تبدأ التجربة بمبادرة اقتصادية محدودة في ولاية أو قرية، تُبنى على دراسة للموارد المحلية والطلب المتوقع والجدوى الاقتصادية، وتُحدد لها مؤشرات واضحة لقياس النتائج. إذا أثبتت قدرتها على خلق قيمة اقتصادية وفرص عمل واستقطاب الاستثمار، أمكن توسيعها. أما إذا كشفت النتائج عن ضعف الجدوى، فإن تعديلها أو إنهاءها مبكرًا قد يكون أكثر كفاءة.
لا يعني ذلك تحويل المحافظات إلى وحدات اقتصادية مستقلة أو تقليص دور التخطيط الوطني، وإنما تطوير العلاقة بين المركز والمستويات المحلية على أساس تكامل الأدوار. الحكومة المركزية تحتفظ بمسؤوليتها عن السياسات العامة والمعايير الوطنية والتوازن التنموي، بينما تتعزز قدرة المحافظات على تحديد الفرص واختبار المبادرات وتقديم الحلول التي تستجيب لخصوصية المكان.
نجاح هذا التوجه يظل مشروطًا بوجود قدرات مؤسسية تتجاوز الصلاحيات الإدارية والتمويل. المحافظة التي تسعى إلى اختبار نموذج اقتصادي تحتاج إلى بيانات موثوقة، وكوادر قادرة على إعداد الدراسات وتقييم المخاطر، وشراكات مع القطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية والمجتمع المحلي. تحتاج أيضًا إلى آليات للمساءلة وقياس الأثر.
تبرز إحدى النتائج المهمة من التجربة الصينية؛ وهي أن القيمة الحقيقية للإدارة المحلية لا تتحدد فقط بمقدار الصلاحيات، وإنما بقدرتها على استخدام تلك الصلاحيات في اكتشاف الفرص وتحويلها إلى نشاط اقتصادي واجتماعي قابل للاستمرار. المحافظة لا تصبح مختبرًا للتنمية لمجرد أنها تطلق مشروعات مختلفة، بل عندما تمتلك منظومة تسمح لها بفهم المشكلات، واختبار الحلول، وقياس النتائج، وتطوير التجارب الناجحة، والتعلم من تلك التي لم تحقق أهدافها.
التجريب الإداري لا يمثل غاية مستقلة، وإنما يستمد أهميته من قدرته على تحسين حياة السكان وتوسيع الفرص الاقتصادية وتعزيز استدامة المجتمعات المحلية. امتدت بعض التحولات الاقتصادية الصينية إلى الريف، حيث أعادت قرى وبلدات تعريف أدوارها الإنتاجية، وانتقلت من الاعتماد الأساسي على الأنشطة الزراعية التقليدية إلى اقتصادات أكثر تنوعًا، تتداخل فيها الصناعات الصغيرة والسياحة والحرف والتجارة الإلكترونية والخدمات.
هنا يتضح أهمية الانتقال من دراسة آليات الإدارة المحلية إلى دراسة نتائجها على مستوى المجتمع؛ لأن نجاح المحافظة في إدارة التنمية ينبغي أن ينعكس على قدرة مدنها وبلداتها وقراها على إنتاج الدخل واستقطاب النشاط الاقتصادي وتحسين نوعية الحياة. السؤال لم يعد مقتصرًا على كيفية إدارة التنمية محليًا، بل يتصل بكيفية تحول المكان نفسه إلى عنصر منتج في العملية التنموية.
هناك فرق بين قرية تحتضن مشروعًا ناجحًا، وقرية تمتلك اقتصادًا محليًا قادرًا على الاستمرار. تحسين الخدمات والبنية الأساسية لا يكفي وحده لضمان بقاء السكان أو توفير فرص اقتصادية للأجيال المقبلة. هذا التمييز يفتح المجال أمام مستوى آخر من قراءة التجربة الصينية، ينتقل من المحافظة بوصفها مساحة للتجريب الإداري إلى القرية بوصفها وحدة اقتصادية واجتماعية يمكن إعادة بناء دورها في التنمية.
في التجارب الريفية الصينية، لم تعد المسألة تتعلق بما ينبغي أن يصل إلى القرية من خدمات واستثمارات، بل بما تستطيع القرية نفسها أن تنتجه، وكيف يمكن ربط هذا الإنتاج بالأسواق، وتحويل مواردها المحلية إلى مصادر دخل وفرص عمل، وبناء منظومة اقتصادية لا تتوقف بمجرد انتهاء التمويل الأولي. تتشكل الحلقة التالية في العلاقة بين اللامركزية والتنمية المستدامة؛ إذ لا تكتمل قيمة التجريب المحلي بمجرد تطوير أساليب الإدارة، وإنما عندما يصبح وسيلة لاكتشاف الإمكانات الاقتصادية الكامنة في المكان.
التمييز بين التنمية التي تُنفذ داخل القرية والتنمية التي تنشأ من قدراتها ومواردها، وبين مشروع يحقق نجاحًا مرحليًا واقتصاد محلي يمتلك مقومات الاستمرار. إذا كانت المحافظة تمثل مساحة لاختبار السياسات واكتشاف الفرص، فإن القرية تمثل أحد أهم الاختبارات العملية لجدوى تلك السياسات؛ لأن نجاح التنمية لا يُقاس فقط بما يُنجز على أرض المكان، بل بما يصبح المكان قادرًا على إنتاجه واستدامته. هنا يبدأ التحول من القرية المستهلكة إلى القرية المنتجة.
تتناول سلسلة "من الصين إلى عُمان"، وهي سلسلة فكرية وتحليلية أسبوعية، التجربة الصينية في الإدارة المحلية والتنمية الريفية، وتبحث في إمكانات الاستفادة من مناهجها لبناء نموذج تنموي ينطلق من خصوصية المحافظات والولايات والقرى العُمانية.
منوعات
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد