حارس الذاكرة: الدكتور علي عبداللطيف حميدة وتوثيق الإبادة الجماعية في ليبيا


هذا الخبر بعنوان "حارس الذاكرة | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
عندما نقرأ التاريخ من برج عاجي، من مهندسي الثورة إلى نقّادها، يبرز الثالوث الفكري الإيراني حراسة السؤال. وفي زمن بات النسيان يعلو على الحقيقة، يعود صوت من عمق المجتمع الليبي ليُذكّرنا بأن بعض الرجال لا يُكتبون بالحبر، بل يُنقشون بالألم، وأن البحث الأكاديمي يمكن أن يكون مقاومة، وأن المؤرخ يمكن أن يتحوّل إلى حارس يقظ على بوابة تاريخ الشر.
إنه الدكتور علي عبداللطيف حميدة، الأكاديمي والمفكر السياسي الليبي الذي يعمل حاليًا رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة نيو إنجلاند بالولايات المتحدة الأمريكية. لقد نحت الدكتور علي حميدة مصطلح "الشر" وأدخله للقاموس الأكاديمي، وحوّل قضية الإبادة الجماعية في ليبيا من فصل مُغيّب في الهامش إلى مركز الصدارة في الأكاديمية الغربية.
وُلد الدكتور علي حميدة في ودان، تلك الواحة التي أنجبت رجالًا عرفوا معنى الجهاد ضد المحتل الإيطالي، فتربّى على حكايات الذاكرة الشفوية التي كانت الأجداد تروونها عن سنوات الشر، قبل أن يصبح فيما بعد الرجل الذي وثّق تلك الحكايات وأعطاها مكانتها الأكاديمية العالمية. تعلّم في القاهرة، ثم في جامعة واشنطن؛ حيث نال الدكتوراه في العلوم السياسية عام 1990. ومنذ العام 1994 بدأ رحلة بحث استمرت أكثر من عقدين ونصف العقد، بحثًا عن الحقيقة المدفونة في الأرشيف الإيطالي المُغلق، وفي ذاكرة الناجين الذين شهدوا أهوال معتقلات الفاشية بين 1929 و1934.
في كتابه "الإبادة الجماعية في ليبيا: الشرّ، تاريخ استعماري مخفي"، بلغ الدكتور علي حميدة ذروة نادرة في البحث التاريخي. استغرق الكتاب أكثر من عقد ونصف العقد من الدراسة الميدانية والأرشيفية في ثلاث قارات ولغات، ولم يكن مجرد توثيق أكاديمي، بل كان صرخة إنسانية تُشخّص جرائم الاستعمار الفاشي الإيطالي. انطلق فيه من حقيقة مركزية وهي أن آلاف الليبيين قُتلوا بين 1929 و1934 إما مباشرةً أو عبر الترحيل والاعتقال في 16 معسكرًا، وأن هذه الجريمة ظلّت مُخفاة لعقود بسبب الصمت الإيطالي الرسمي وتواطؤ القوى الكبرى. نجح حميدة في فضح هذا الصمت من خلال شهادات أكثر من 220 ناجيًا، وربطها بقراءة مقارنة مع دراسات المحرقة والإبادة الجماعية.
في كتابه الأول "المجتمع والدولة والاستعمار في ليبيا"، الصادر بالإنجليزية عام 1994 تحت عنوان The Making of Modern Libya، قلب الطاولة على الرواية الاستعمارية. وفي كتابه الثاني "الأصوات المنسية: السُلطة والفاعلية في ليبيا الاستعمارية وما بعد الاستعمارية" الصادر عام 2005، واصل مشروعه في إنقاذ الضحايا من غياهب النسيان. كما حصل على العديد من الجوائز والتقديرات المرموقة عالمياً، ودخل اسم الدكتور علي حميدة في 2024 القائمة القصيرة لزمالة "غوغنهايم". ولم يتوقف عند التاريخ، ففي أوائل 2025، صدر ديوانه الأول "من يغني معي معزوفة الفرح؟" وهو مختارات من قصائد البدايات والحلم بين 1970 و1978.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة