رحلة في أعماق النفس البشرية: هل تغير مؤلفات دوستويفسكي عقول قرائها؟


هذا الخبر بعنوان "هل يمكن لقراءة دوستويفسكي أن تغيّر عقل الإنسان؟ | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ سبتمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: محمد أنور البلوشي
تثير النقاشات المستمرة بين مجموعات الأدب والمهتمين بالرواية والفلسفة عبر تطبيق «واتساب» تساؤلات عميقة حول الطبيعة البشرية، وغالبًا ما يعود اسم الكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي ليقف في صدارة الحوارات التي تبحث في الألم والأخلاق والحرية والذنب. لقد دفعت هذه النقاشات، إلى جانب المحاضرات التي يقدمها الدكتور جوردان بيترسون على موقع «يوتيوب»، للتفكير في سؤال جوهري حول قدرة أعمال هذا الكاتب العظيم على تغيير عقل الإنسان فعلًا.
لا يتعامل دوستويفسكي مع المعاناة باعتبارها شعورًا عابرًا، بل يصيغ منها نافذة تطل على الضمير والإيمان والمرارة والبحث الإنساني عن معنى الوجود. إن قراءة أعماله الكبرى تشبه الدخول إلى قاعة محكمة داخلية، حيث تتصارع أصوات المتهم والمدعي والشاهد والقاضي داخل عقل القارئ نفسه. وتتعدد أعماله الخالدة بين روايات كبرى مثل «الفقراء»، و«الشبيه»، و«قرية ستيبانتشيكوفو»، و«المذلون والمهانون»، و«مذكرات من بيت الأموات»، و«مذكرات من تحت الأرض»، و«الجريمة والعقاب»، و«المقامر»، و«الأبلَه»، و«الزوج الأبدي»، و«الشياطين» (التي تُرجمت أيضًا بـ«الممسوسون»)، و«المراهق»، و«الإخوة كارامازوف»، إضافة إلى نصوص قصيرة بارزة مثل «الليالي البيضاء»، و«الوديعة»، و«حلم رجل مضحك»، و«التمساح».
من خلال هذه الأعمال، يواجه القارئ أسئلة كبرى عن معنى أن يكون الإنسان؛ ففي «الجريمة والعقاب» يتجسد الصراع حول الضمير وتبرير الجريمة فكريًا، وفي «الإخوة كارامازوف» يبرز التنازع بين الإيمان والشك والمسؤولية، بينما تختبر «الأبلَه» نقاء الطيبة في مواجهة عالم ناقص. وفي «الشياطين» تتحول الفكرة إلى قوة تسيطر على الإنسان، وتكشف «المقامر» هشاشة النفس أمام الهوس، بينما تعكس «الليالي البيضاء» الوحدة والخيال المفعم بالرقة.
وتحتل «مذكرات من تحت الأرض» مكانة استثنائية، خاصة بعد مشاهدة العرض المسرحي الذي أداه لاري سيندار، والذي يبرز كيف أن أعنف المعارك تدور داخل عقل الإنسان وليست في ساحات القتال الخارجية. فالرجل الذي يقف على المسرح يجسد الكبرياء المجروح والذكاء المدمر للذات والتعطش لفهم الآخرين مع الرغبة في الهروب منهم. وتبقى آراء القراء متباينة بين من يرى دوستويفسكي عبقريًا سبر أغوار النفس ومن يراه مظلمًا ومرهقًا، لكن المؤكد أنه لا يترك القارئ متفرجًا بل يزج به في قلب المحاكمة الفكرية.
ورغم رحيل الكاتب في عام 1881، تظل أسئلته الإنسانية حية تعج بها قاعات الجامعات ومنصات النقاش، لأن دوستويفسكي لا يغير العقول بمنحها إجابات جاهزة، بل يجعل اليقين غير مريح ويزعزع الإجابات التقليدية، ليترك القارئ مع حوار داخلي لا ينتهي.
محاضر الاقتصاد بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة