فلسفة المكان والجماد في الساحل العماني.. من رأس ضربة علي إلى جزر سلامة وبناتها


هذا الخبر بعنوان "حسّ الجماد 13 | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ أغسطس ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يتحرّر الوعي البشري من أسر المنظومة الرتيبة لحظة إدراكه أنّ جغرافيا الأرض ليست مجرد تضاريس فيزيائية جافة، بل هي حقل وجداني مُمتد يتنفس بحسّ دفين يتناغم مع وعي الإنسان المُستخلف. وإنّ سَبْر ناموس الساحل العُماني الممتد، يربو على ثلاثةِ آلاف ومئة وخمسةٍ وستين كيلومتراً، يُبرهن للباحث الأريب أنّ حدود السيادة في أُفُق الجُغرافيا ليست خطوطاً هندسية مُصْمَتة، بل هي تجلّيات أنطولوجية تتلاقى فيها الأقدار لتصنع مرافعة وجودية حاسمة تذود عن فطرة الإنسان.
وتبدأ هذه الملحمة الحِسية من النقطة الحدودية الأولى في الجنوب، حيث يتشابك بحر العرب المُحاذي لولاية ضلكوت مع منطقة حَوْف اليمنية، وتحديداً عند ذلك اللسان الصخري الشاهق البارز في مياه بحر العرب والمُسمى رأس ضربة عليّ. فهذا الجماد الجبلي الصّلب استوعب تاريخاً معيشاً وفقاً للموروث الفطري لأبناء المهرة وظفار، ليكون علامة مشهودة ومرساة حانية تهتدي بها سُفن البحارة الأقدمين، ومحطة انطلاق لخط الحدود المُستقيم في اتفاقية الحدود الدولية عام 1992م.
ولا تقف الصخور والجبال عازلاً، بل تقف كوتد جيو-سياسي ثابت تنطلق منه سيادة عُمان البحرية شرقاً وشمالاً، وسِيادة اليمن غرباً. وعبر تدفق سلسلة الجبال الصمّاء، يسير الناموس الكوني نحو أقصى شمال مسندم حيث يرقد رأس فكّ الأسد مُطِلاً على مضيق هرمز، ومحيطاً بجُزر سلامة وبناتها التي تمثل نقطة ترسيم حدود الوعي والألفة العُمانية.
ويتوافق هذا الطرح مع ما أسسه الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار في تنظيره لـ الخيال المادي في أثره الماء والأحلام عام 1942م (والذي نقله إلى العربية المترجم د. علي نجيب إبراهيم)، مؤكداً أنّ المادة ليست جثة هامدة بل مستودع لطاقة حيوية كامنة تستجيب للحوار الوجودي مع الإنسان، لتبقى السيادة الحِسية حكراً مصوناً يمتد من عنفوان رأس ضربة علي في الجنوب حتى لُطف سلامة وبناتها في الشمال ضمن سلسلة مقالات حسّ الجماد.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة