عُمان
ثقافة

الشعر العربي بين القوة الناعمة والتحريض: قراءة في تجربة الجواهري

الرؤية١٣ سبتمبر ٢٠٢٦ في ٠٩:٠٢ ص0 مشاهدة
الشعر العربي بين القوة الناعمة والتحريض: قراءة في تجربة الجواهري

تنويه

هذا الخبر بعنوان "حين يصبح الشعر سلاحًا ذا حدّين | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ سبتمبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يُعدّ الشعر، وخصوصًا عند العرب، واحدًا من أهم عناصر القوة الناعمة وأكثرها رسوخًا وتأثيرًا؛ فقد كان، منذ أقدم العصور، سجلًا للذاكرة، ولسانًا للقبيلة والأمة، ومنبرًا للدفاع عن القيم والكرامة والهوية. وفي أوقات الأزمات والتحديات الأمنية، لا تتراجع أهمية الشعر والثقافة، بل ربما تتضاعف؛ لأن الشعوب لا تحمي أوطانها بالسلاح والتحالفات وحدها، وإنما تحميها أيضًا بالكلمة التي تجمع ولا تفرّق، وتبني الوعي ولا تستثير الغرائز.

وقلّما يُذكر الشعر العربي الحديث دون الوقوف عند محطة الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري، الذي كتب في مقهى «سلافيا» في مدينة براغ، عاصمة جمهورية التشيك، بعض أجمل قصائده وأكثرها تعبيرًا عن الحنين إلى العراق. وقد ظل الشعر عنده مرتبطًا بالوطن والحرية والعدالة، منذ أن فقد شقيقه جعفر في «وثبة يناير» عام 1948، فخلّده بقصيدته الشهيرة التي مطلعها: «أتعلمُ أم أنتَ لا تعلمُ بأنَّ جراحَ الضحايا فمُ».

وقد أثار مقال سابق حول زيارة مقهى «سلافيا» اهتمام عدد من المثقفين والقراء، وتلقى تعليقات تناولت الجواهري وشعره ومواقفه السياسية من زوايا متعددة؛ فقد وضعه بعض المعلّقين في زمرة الشعراء الذين لم يلتزموا دائمًا بالقيم التي تغنّوا بها، مستحضرين سيرة المتنبي، ومستندين إلى تنقلات الجواهري بين البلاط الملكي العراقي، ثم الترحيب بحركة الرابع عشر من يوليو 1958 التي أسقطت الملكية ومدح قائدها عبدالكريم قاسم، قبل أن يغادر العراق ويقيم لاحقًا صلات مع رموز عهد البعث، ومن بينهم صالح مهدي عماش.

وفي سياق متصل، نُسب إلى الجواهري بيت شعر حافل بمفردات العنف، غير أن البحث والتقصي يكشفان أن نسبة البيت إلى الجواهري غير صحيحة، وأنه يُنسب إلى صالح مهدي عماش، بينما تنسبه روايات أخرى إلى الشاعر العراقي عبدالمحسن عقراوي. لكن تبرئة الجواهري من هذا البيت لا تعني تبرئته تمامًا من استخدام الشعر في التحريض، كما ظهر في قصيدته «تحرك اللحد» التي ألقاها أمام عبدالكريم قاسم.

وهنا تكمن المفارقة في تجربة الجواهري؛ فهو الشاعر الذي نطق بلسان الضحايا، وهو نفسه الذي استخدم لغة قاسية تناقض القيم الإنسانية في لحظات سياسية محتدمة. وفي أدق المراحل الأمنية، نحن أحوج ما نكون إلى شعر وثقافة يرفعان مناعة المجتمع، فالشعر سلاح ذو حدّين: قد يكون جسرًا للمحبة والوعي، وقد يصبح وقودًا للكراهية والعنف.

شارك الخبر: