تنويه
هذا الخبر بعنوان "سلطنة عُمان لا تُستفز | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ نوفمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في إقليمٍ تتغير فيه التحالفات وتتداخل فيه المصالح، وتُدار فيه الصراعات غالبًا خلف الكواليس قبل أن تتجسد على الساحة السياسية، اختارت سلطنة عُمان أن تجعل من هدوئها ورزانتها ركيزة أساسية في سياستها الخارجية. تُثار حول السلطنة تساؤلات وتُنسج حولها التأويلات، وتُوجّه إليها رسائل استفزازية متنوعة، إلا أنها لا تسمح لكل ما يُقال عنها بأن يتحول إلى موقف رسمي، ولا لكل ما يُراد لها أن تنشغل به أن يستنزف وقتها وطاقتها.
تؤمن عُمان بأن السياسة ليست مجرد ردود فعل سريعة أو صراعات صوتية، بل هي القدرة على رؤية المشهد العام بوضوح، والتمييز بين ما يستحق الرد وما يستحق التجاهل. من هذا المنطلق، تفهم السياسة العُمانية كدولة لا تنجرف وراء الضوضاء، ولا تسمح للآخرين بتحديد إيقاع ردود أفعالها. إنها سياسة تتجاوز مجرد الهدوء في الخطاب أو التحفظ في المواقف، لتصل إلى جوهر اختبار الدول، الذي لا يظهر فقط في أوقات الرخاء، بل في قدرتها على التصرف بما يتفق مع طبيعتها حتى في الظروف الصعبة.
تكمن خطورة النفوذ السياسي في قدرة الدولة على جعل خصومها يتحركون وفق إيقاعها دون أن يدركوا ذلك. لذلك، فإن استقلال القرار العُماني لا يعني رفض كل ما هو خارجي، بل يعني الاحتفاظ بالسيطرة على استجاباتها، ومعرفة متى تقترب، ومتى تبتعد، ومتى تتحدث، ومتى تترك للوقت أن يقول كلمته.
في هذا السياق، يمكن قراءة المسار العُماني في محيط إقليمي شديد الاستقطاب. فالسلطنة لم تجعل من سياستها الخارجية انعكاسًا للانفعالات اللحظية، ولم تتعامل مع الخلافات بمنطق الانحياز الأعمى. بل حافظت على مسافة تسمح لها برؤية جميع الأطراف، والتحدث مع المختلفين دون تبعية، وفتح قنوات الحوار حين تُغلق الأبواب. في عالم تُقاس فيه المواقف بالانتماء لمحاور معينة، يصبح الاحتفاظ بمسافة مستقلة فعلًا سياسيًا بحد ذاته.
الحياد العُماني ليس موقفًا سلبيًا، بل هو موقع استراتيجي يمنحها قدرة فريدة على التواصل مع أطراف متباعدة، ويجعلها قناة مفتوحة حين تنقطع القنوات الأخرى. إنها قوة الكلمة حين يصبح الكلام بين الخصوم مكلفًا، وقوة الدولة التي تستطيع أن تعبر عن اختلافها دون أن يتحول إلى قطيعة.
إن الحملات والتأويلات والضغوط التي تواجه سلطنة عُمان يجب أن تُقرأ في سياق موقعها السياسي. فليس من الحكمة تحويل كل واقعة إلى مؤامرة، ولا قراءة كل حملة كحدث عابر. السياسة عالم معقد تتشابك فيه المصالح، وتُختبر فيه قدرة الدول على حماية قراراتها من الضغوط. السيطرة على السردية أصبحت جزءًا من الصراع على التأثير.
الدولة التي تستجيب لكل ضغط بالانفعال تمنح الضغط قيمته. أما الدولة التي تفكك الرسالة قبل الرد، وتزن كلفة الرد قبل رفعه صوتها، فإنها تستعيد حرية الفعل، وهي جوهر السيادة. سيادة الدولة لا تظهر فقط في اتخاذ القرار، بل في منع الآخرين من اتخاذه نيابة عنها عبر دفعها لردود أفعال محسوبة.
تتصل السياسة بالفلسفة في قدرة الدولة على امتلاك نفسها حين يحاول الآخرون امتلاك رد فعلها. القوة ليست دائمًا في الفعل، بل أحيانًا في القدرة على الامتناع عن الفعل حتى تكتمل شروطه. من يملك أعصابه في لحظة الاستفزاز يملك جزءًا من المشهد، ومن يملك توقيته يملك جزءًا من النتيجة. الهدوء السياسي ليس فراغًا، بل موقف قائم بذاته إذا كان مدعومًا بالوعي والحساب والمصلحة.
الدبلوماسية العُمانية ليست هروبًا من الأزمات، بل إدارة للمسافة بينها وبين مصالح الدولة. هي لا تنكر وجود العواصف، لكنها لا تسمح لها بأن تكون بوصلة. تفتح أبوابها للحوار دون حساب، وتحافظ على توازن دقيق بين الانفتاح والسيادة.
في قلب هذا النهج، تتحرك السياسة الخارجية للسلطان هيثم بن طارق المعظم، من خلال توسيع العلاقات والشراكات، وتعزيز الحضور الدبلوماسي والاقتصادي، وبناء جسور مع مختلف العواصم. السفر الدبلوماسي، حين يكون جزءًا من رؤية دولة، يصبح إعادة رسم لدوائر المصالح وفتح مسارات جديدة للاقتصاد والاستثمار.
يصبح الفرق واضحًا بين الدولة التي تلاحق الأحداث والدولة التي تبني موقعها داخلها. الأولى تقضي وقتها في الإجابة عن أسئلة الآخرين، والثانية تنشغل بصناعة الأسئلة التي سيضطر الآخرون للتعامل معها. استمرار عُمان في بناء علاقاتها وتوسيع شراكاتها واستقطاب الاستثمار هو سياسة في أعمق صورها، تجعل للدولة مصالح تحمي قرارها وخياراتها.
أجمل ما في المشهد أن سلطنة عُمان لا تحتاج إلى إعلان خصومتها مع الضجيج كي تنتصر عليه، يكفي أنها لا تسمح له بإعادة ترتيب أولوياتها. الضجيج قصير النفس، يعيش على رد الفعل، بينما مشروع الدولة أطول وأعمق وأبقى.
لهذا يُفهم هدوء سلطنة عُمان كجزء من فلسفة دولة، تعرف أن التاريخ لا يُكتب بسرعة الغضب، وأن الجغرافيا لا تُدار بضجيج المنصات، وأن السيادة لا تحتاج إلى إثبات نفسها بالصوت المرتفع.
في النهاية، لا ترى سلطنة عُمان ما يُحاك حولها فحسب، بل تدرك طبيعة المصالح المتقاطعة، ثم تختار ألا تمنحها أكثر مما تستحق. هذه فضيلة الدول التي لا تقيس قوتها بعدد المعارك، بل بقدرتها على البقاء صاحبة قرارها. الزمن السياسي لا ينصف الأكثر صخبًا، بل الأكثر ثباتًا على مصلحته. وبينما تتبدل التحالفات وتتغير المصالح، تبقى سلطنة عُمان متمسكة بالخيط الهادئ الذي يربط السياسة بالحكمة، والمصلحة بالمبدأ، والانفتاح بالسيادة.
لهذا لا تُستفَز سلطنة عُمان، لأنها لا تسمح للآخرين بكتابة ردها، أو تحديد طريقها، أو جعل ضجيجهم بوصلة لقرارها.
أخبار ذات صلة
سياسةالديمقراطية: رحلة من الذم إلى اللمعان وتحديات التصحيح الذاتي
سياسةنائب ترامب يكشف الأسباب الحقيقية لهزيمة الجمهوريين: حرب إيران، إسرائيل، وتكاليف المعيشة
سياسةالسلطان هيثم وبروناي يرتقيان بالعلاقات إلى شراكة استراتيجية تاريخية
رياضة
