عُمان
سياسة

الديمقراطية: رحلة من الذم إلى اللمعان وتحديات التصحيح الذاتي

الرؤية٤ نوفمبر ٢٠٢٦ في ٠٦:١٤ م0 مشاهدة
الديمقراطية: رحلة من الذم إلى اللمعان وتحديات التصحيح الذاتي

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الديمقراطية وتقلباتها | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ نوفمبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في أصلها اليوناني، كانت الديمقراطية تُعد كلمةً مذمومة تعني حكم الغوغاء والفوضى، ونظر إليها فلاسفة مثل أفلاطون وأرسطو بريبة. لكنها تحسنت وأصبحت لامعة في العصر الحديث بعد أن حلت مشاكل الصراع على السلطة سلمياً عبر صناديق الاقتراع بدلاً من الانقلابات والدماء، لتصبح معياراً للشرعية والاستقرار.

ومن المفارقات أن الدستور الأمريكي، رغم كونه أحد أعمدة الديمقراطية الحديثة، لا يذكر كلمة "الديمقراطية" مطلقاً. فقد كان الآباء المؤسسون قلقين من حكم الغوغاء وطغيان الأغلبية، فصمموا نظاماً جمهورياً يقوم على التمثيل وفصل السلطات والرقابة المتبادلة، لا على حكم الأغلبية المباشر. هذه المفارقة لا تقلل من قيمة التجربة الأمريكية، بل تكشف أن الديمقراطية لم تولد جاهزة، بل تشكلت عبر تقلبات تاريخية طويلة.

رحلة الديمقراطية من الذم إلى اللمعان لم تكن خطاً مستقيماً. فهي ليست نظاماً جاهزاً ولا وصفة سحرية، بل تجربة إنسانية مفتوحة على التقلبات. تتقدم حين تتسع المشاركة وتتراجع حين تضيق فضاءات الحرية، وتتغلب عليها النخب، أو تُختزل في صناديق اقتراع تُفرغ من مضمونها كلما غاب القانون واستُهين بالمواطن.

في تاريخها الحديث، أثبتت الديمقراطية قدرتها على تحويل الصراع على السلطة من ساحة للحسم العنيف إلى مسار للإدارة السلمية للاختلاف. فبدل أن يحسم الخصوم خلافهم بالدم، يحسمونه بالتصويت، وبدل أن يورّث الحاكم سلطته، يُحاسب على أدائه. وهذا يعني أن الخلاف السياسي لم يعد تهديداً لبقاء الدولة، بل جزءاً من حياتها الطبيعية.

لكن التقلبات لا تأتي من الخارج فقط. فالديمقراطية قد تنهار من داخلها حين تتحول الأغلبية إلى غوغاء جديدة، وحين يُستبدل النقاش العام بالشعارات، والبرامج بالوعود، والحقائق بالشائعات. وقد تنكسر حين تُختزل في انتخابات دورية تُنتج حكومات بلا رقابة، أو حين تُضعف المؤسسات لصالح الزعامات الفردية. هنا تعود الكلمة إلى بعض من ظلالها القديمة، لا بمعنى حكم الشعب، بل بمعنى حكم الجمهور المُدار بالعاطفة والخوف.

لذلك، فإن السؤال اليوم ليس: هل الديمقراطية أفضل من غيرها؟ فهذا سؤال حسمه التاريخ عملياً. السؤال الأصدق: كيف نحمي الديمقراطية من تقلباتها؟ والجواب يبدأ من أمور أقل بريقاً مما نتصور: مؤسسات مستقلة، وقضاء عادل، وإعلام حر، وتعليم يُنشئ مواطناً ناقداً لا مريداً، وأحزاب تعود إلى الشارع لا إلى المكاتب المغلقة.

الديمقراطية لا تعيش بالشعارات، بل بالإجراءات الصغيرة اليومية: شفافية، ومحاسبة، وتداول سلمي للسلطة، واحترام للأقليات. وإذا كانت الديمقراطية قد تحسنت من كلمة مذمومة إلى معيار للشرعية، فإنها اليوم مُهددة بأن تعود إلى صورة سيئة من باب آخر: حين تصبح شكلاً بلا روح، وحين يرى المواطن أنَّ صوته لا يغيّر شيئاً. عندها لا تنتصر الديكتاتورية بالضرورة، بل تنتصر اللامبالاة، وهي أخطر من كل انقلاب.

إنَّ أعظم ما في الديمقراطية أنها قابلة للتصحيح. لكنها لا تُصحّح نفسها تلقائياً. تحتاج إلى من يحميها: مواطن واعٍ، ومؤسسة قائمة، وقانون لا ينحني. وهنا يبقى الدرس الأهم: الديمقراطية ليست حكماً للشعب فقط، بل مسؤولية الشعب أيضاً.

شارك الخبر: