بيت الأحلام: بناء الشراكة الأسرية والحفاظ على الحقوق بعد الانفصال


هذا الخبر بعنوان "بيت الأحلام | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ نوفمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لكل زوجين حلم يبدأ صغيراً، ثم يكبر مع الأيام، حتى يصبح بيتاً يجمعهما تحت سقف واحد، يحتضن أحلامهما وتفاصيل حياتهما، ويشهد أفراحهما وتحدياتهما. وقد يمضي الزوجان سنوات طويلة في سبيل تحقيق هذا الحلم، يدخران المال، ويتحملان المشقة، ويتنازلان عن بعض رغباتهما، حتى يأتي اليوم الذي يريان فيه ثمرة جهدهما واقعاً أمام أعينهما. لكن السؤال الذي يستحق التأمل: هل يكفي أن نبني بيتاً جميلاً لنضمن أن تبقى الحياة فيه جميلة؟
لا شك أن تكوين الأسرة من أعظم المسؤوليات التي يتحملها الإنسان، فهي ليست مجرد ارتباط بين رجل وامرأة، ولا اتفاق على العيش تحت سقف واحد، وإنما شراكة تقوم على المودة والرحمة والاحترام والتقدير، وعلى إدراك كل طرف أن استقرار الأسرة مسؤولية مشتركة، وأن نجاح الحياة الزوجية لا يتحقق بكثرة ما يقدمه أحدهما، وإنما بما يبذله الاثنان من تفاهم وتعاون وتقدير. ومن الطبيعي أن تتفاوت الأدوار والمسؤوليات بين الزوجين، وفق ظروفهما وإمكاناتهما، لكن هذا التفاوت لا ينبغي أن يتحول إلى حاجز يمنع أحدهما من مساندة الآخر. فالحياة الزوجية ليست ميداناً للمنافسة، ولا دفترًا لحساب ما قدمه كل طرف، وإنما رحلة يتقاسم فيها الاثنان الأفراح والأعباء، ويقف أحدهما إلى جانب الآخر حين تشتد الظروف.
وعندما ننتقل إلى الجانب المادي، وتحديداً بناء منزل الزوجية، فإن توفير المسكن من المسؤوليات التي تقع على عاتق الزوج وفق أحكام الشريعة الإسلامية. غير أن مساهمة الزوجة في بناء المنزل، سواء بالمال أو الجهد أو الرأي، تظل صورة جميلة من صور التعاون بين الزوجين، متى كانت نابعة من رضاها ورغبتها. وهنا أرى أن من الأهمية بمكان أن تكون المساهمات المالية واضحة وموثقة بما يحفظ حقوق أصحابها، وأن تُثبت حصة الزوجة في الملكية متى اتفق الطرفان على ذلك، وفق الإجراءات القانونية المعمول بها. وقد يرى البعض أن الحديث عن توثيق الحقوق بين الزوجين يتعارض مع الثقة والمحبة، لكنني أرى خلاف ذلك؛ فالثقة لا تتعارض مع الوضوح، والمحبة لا تعني التنازل عن الحقوق، والتوثيق لا يعني توقع الخلاف، وإنما هو تصرف واعٍ يحفظ ما بُذل من مال وجهد، ويمنع أن تتحول سنوات العطاء إلى مصدر للندم إذا تغيرت الظروف.
ولعل ما دفعني إلى الكتابة عن هذا الموضوع قصة شاهدتها عبر أحد مواقع التواصل الاجتماعي، لامرأة عربية تحدثت عن تجربتها مع زوجها، وكيف جمعهما حلم بناء منزل يستقران فيه. فقد أمضيا سنوات طويلة في العمل والتخطيط والادخار، وتشاركا في تحمل أعباء الحياة، حتى انتقلا من بلدهما إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وتمكنا بعد رحلة من الكفاح من تحقيق حلمهما بامتلاك منزل. كان ذلك المنزل بالنسبة إليهما أكثر من مجرد جدران وأثاث؛ كان حصيلة سنوات من التعب والصبر والأمل، وشاهداً على رحلة طويلة من المشاركة والعطاء. لكن الحياة لا تسير دائمًا كما نرسم لها، فبعد نحو عشرين عامًا من الزواج، انتهت العلاقة بينهما بالانفصال، ووجدت المرأة نفسها، بحسب روايتها، خارج المنزل الذي شاركت في تحقيقه، دون أن تحصل على نصيب منه. لا أعرف جميع التفاصيل القانونية والمالية لتلك القصة، ولا الظروف التي أدت إلى هذه النتيجة، لكن ما استوقفني فيها أن الإنسان قد يبذل سنوات من عمره في بناء حلم مشترك، ثم يجد نفسه يومًا بعيدًا عنه. ومن هنا تتأكد أهمية الوعي بالحقوق وتوثيق المساهمات منذ البداية، ليس خوفًا من المستقبل، وإنما حفاظًا على العدل والإنصاف، فالحياة قد تتغير، أما الحقوق فلا ينبغي أن تضيع بتغيرها.
غير أن الجانب الأكثر تأثيرًا في تلك القصة لم يكن فقدان المنزل، بل الطريقة التي تحدثت بها المرأة عن طليقها. فعلى الرغم من انتهاء زواجهما، وما صاحب ذلك من خسارة وألم، فإنها لم تنكر ما كان بينهما من عشرة طيبة، بل تحدثت عنه باحترام وتقدير، وأشادت بمواقفه ومعاملته لها طوال سنوات زواجهما. وهنا توقفت طويلًا أمام معنى آخر من معاني الحياة الزوجية، وهو أن الاحترام الحقيقي لا يُختبر في أيام الوفاق وحدها، وإنما يظهر أيضًا عندما تختلف القلوب وتفترق الطرق. وللأسف، نشاهد في بعض حالات الانفصال كيف تتحول سنوات العشرة إلى خلافات واتهامات، وكيف يصبح الماضي الجميل مادة للتجريح وكشف الأسرار وتشويه السمعة، وكأن نهاية العلاقة تمنح أحد الطرفين الحق في إنكار كل ما كان بينهما من خير ومودة. والأشد إيلامًا أن تمتد هذه الخلافات إلى الأبناء، فيجدوا أنفسهم أمام صراع لم يختاروه، وقد يُطلب منهم أن ينحازوا إلى أحد الوالدين، أو يسمعوا من الإساءة ما يجرح مشاعرهم ويؤثر في نظرتهم إلى أسرهم.
ولا يعني ذلك أن يتنازل أحد الزوجين عن حقوقه، أو أن يصمت عن ظلم تعرض له، فالمطالبة بالحقوق أمر مشروع، واللجوء إلى القضاء وسيلة حضارية لحسم النزاعات. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين المطالبة بالحق والإساءة إلى الآخر، وبين معالجة الخلاف بالطرق المشروعة وتحويله إلى معركة لتصفية الحسابات. فالانفصال قد ينهي رابطة الزواج، لكنه لا ينبغي أن ينهي الأخلاق أو يسقط الاحترام. ولعل من أجمل ما يرشدنا إليه ديننا الحنيف أن العلاقة الزوجية تقوم على السكن والمودة والرحمة، كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21]. وحتى عندما يتعذر استمرار الحياة الزوجية، تبقى الأخلاق والقيم التي قامت عليها جديرة بأن تُصان، ويبقى الإحسان في التعامل خلقًا لا ينبغي التفريط فيه.
وكذلك، هناك نماذج تستحق التقدير لزوجين لم يُكتب لحياتهما الاستمرار، لكنهما نجحا في المحافظة على الاحترام المتبادل، وقدّما مصلحة أبنائهما على خلافاتهما، وأدركا أن انتهاء الزواج لا يعني انتهاء مسؤوليتهما المشتركة تجاه الأبناء. وهذه النماذج تؤكد أن الانفصال، مهما كان مؤلمًا، يمكن أن يتم بقدر من الوعي والنضج يحفظ كرامة الجميع. ومن هنا، أوجه رسالة إلى كل زوجين لم يُكتب لهما الاستمرار معًا: لا تجعلوا لحظة الخلاف تمحو سنوات العشرة، ولا تسمحوا للغضب بأن يهدم كل ما كان جميلًا بينكما. طالبوا بحقوقكم، واحفظوا كرامتكم، لكن تذكروا أن بينكما أيامًا لا تستحق الإنكار، وربما أبناءً يستحقون أن يكبروا وهم يحملون صورة طيبة عن والديهم، حتى وإن لم يعودا يعيشان تحت سقف واحد. وقد ينجح الإنسان في بناء بيت أحلامه، لكنه لا ينجح بالضرورة في الاحتفاظ به. وقد تنتهي الحياة الزوجية، لكن ذلك لا يعني أن ينتهي معها الوفاء والاحترام. فليست كل البيوت التي تبقى قائمة بيوتًا سعيدة، وليست كل البيوت التي افترق أصحابها قد فقدت قيمتها. إن بيت الأحلام الحقيقي ليس ذلك الذي نملك مفاتيحه، بل ذلك الذي نترك في قلوب من عاشوا فيه ذكرى طيبة، وحقًا محفوظًا، وكرامة لا تهدمها الخلافات.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة