عُمان: كيف شكّلت الجغرافيا والقبيلة والدين شخصيتها السياسية الفريدة؟


هذا الخبر بعنوان "مؤثرات صلبة في الشخصية السياسية العُمانية | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ نوفمبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لفهم تشكّل عُمان الحديثة، يجب النظر إليها كعملية تاريخية طويلة ومعقدة، لم تُبنَ فقط عبر السلطة السياسية، بل عبر تفاعل الجغرافيا، البحر، الدين، القبيلة، التجارة، والعزلة الاختيارية والقسرية. سلطنة عُمان لم تتكوّن ككيان سياسي أو دولة فجائية، بل ككيان تراكمت عناصره عبر قرون حتى استقرت في صورتها الحديثة.
أولًا: الجغرافيا بوصفها «الأصل المؤسس»
تتمتع عُمان باستقلال جغرافي واضح بفضل سلاسلها الجبلية الوعرة وصحاريها التي تفصلها عن العمق النجدي، وسواحلها الطويلة المفتوحة على بحر العرب والمحيط الهندي. هذه الجغرافيا صنعت نزعتين متوازيتين: ميلًا إلى الاستقلال والانغلاق الداخلي، وانفتاحًا بحريًا واسعًا على العالم. ولهذا تشكلت الشخصية العُمانية تاريخيًا خارج مركزية الجزيرة العربية التقليدية، وأقرب إلى عالم المحيط الهندي منها إلى المجال الصحراوي النجدي وحده.
ثانيًا: القبائل والهجرات العربية المبكرة
تعود الجذور العربية الكبرى لعُمان إلى هجرات قبائل الأُزد بعد انهيار سد مأرب، وخاصة بقيادة مالك بن فهم. أسست هذه الهجرات البنية القبلية العربية، ونُظم التحالف، والهوية الثقافية المحلية. لكن عُمان لم تتشكل كقبيلة كبرى واحدة، بل كشبكة توازنات قبلية ومناطقية، وهو ما أثر لاحقًا على شكل الحكم والدولة.
ثالثًا: الإسلام والمدرسة الفقهية الإباضية وصناعة الخصوصية السياسية
كان دخول الإسلام مُبكرًا، ثم صعود الإباضية، المحطة الأكثر حسمًا. لم تكن الإباضية مجرد مذهب ديني، بل أسست مفهوم الإمامة والشورى النسبية وشرعية الحاكم عبر البيعة وتقييد السلطة بالحكم الأخلاقي والديني. ومن هنا نشأ النموذج العُماني الفريد، ليس خلافة مركزية، وليس ملكية قبلية خالصة؛ بل صيغة هجينة بين الدين والقبيلة والتوافق. هذا النموذج خلق تقليدًا سياسيًا طويلًا قائمًا على التسويات، وتجنب الصدام الداخلي الشامل، والبحث عن التوازن.
رابعًا: عُمان البحرية والإمبراطورية التجارية
منذ القرون الوسطى وخاصة في العصر الحديث المبكر، تحولت عُمان إلى قوة بحرية كبيرة. بلغ هذا التحول ذروته مع الإمام المؤسس للدولة البوسعيدية السيد أحمد بن سعيد البوسعيدي، ثم لاحقًا السيد سعيد بن سلطان البوسعيدي؛ حيث امتد النفوذ العُماني إلى زنجبار وشرق أفريقيا وموانئ المحيط الهندي. وهنا تشكلت إحدى أهم خصائص الكيان العُماني، المتمثلة في الهوية البحرية التجارية، والتعدد العرقي والثقافي، والانفتاح على أفريقيا والهند وفارس. لذلك، تبدو عُمان تاريخيًا أقل انغلاقًا أيديولوجيًا من بيئات خليجية وعربية أخرى، لأنها تشكلت عبر التجارة والبحر أكثر من تشكلها عبر الغزو والتوسع البري.
خامسًا: الانقسام الداخلي بين الساحل والداخل
رغم الامتداد البحري، بقيت عُمان تعاني من انقسام تاريخي بين سلطة السلاطين الساحلية، والإمامة الإباضية في الداخل. هذا الانقسام استمر قرونًا، وخلق ازدواجية سياسية، وتنافسًا بين الدين والسلطة المركزية، وصراعًا بين القبائل والمركز. لم تُحسم هذه الثنائية بالكامل إلا في القرن العشرين.
سادسًا: التدخل البريطاني وإعادة تشكيل الدولة
في القرن التاسع عشر، أصبحت عُمان ضمن المجال البريطاني البحري لحماية طرق الهند. لم تستعمرها المملكة المتحدة مباشرة بالشكل التقليدي، لكنها أثرت بقوة على الاقتصاد، والأمن، وشكل الحكم، والعلاقات الخارجية. ثم جاء انفصال زنجبار عام 1964، وتراجع الإمبراطورية البحرية، والانكماش الاقتصادي والسياسي؛ فتحولت عُمان إلى دولة شبه معزولة وضعيفة نسبيًا حتى منتصف القرن العشرين.
سابعًا: السلطان قابوس وصناعة عُمان الحديثة
بدأ التحول الجذري الحقيقي مع السلطان قابوس بن سعيد في 23 يوليو 1970. أعيد تشكيل عُمان الحديثة عبر بناء مؤسسات الدولة، وإنهاء العزلة، وتوحيد الداخل والساحل، واحتواء القبائل، ودمج الإرث الإباضي ضمن دولة وطنية حديثة، وبناء هوية عُمانية جامعة. والأهم أن قابوس لم يهدم البنية التقليدية بالكامل، بل أعاد تدويرها داخل الدولة الحديثة بما يواكب لغة العصر ومتطلباته؛ حيث بقيت القبيلة موجودة لكن تحت سلطة الدولة، والدين بقي حاضرًا دون هيمنة صدامية، والتاريخ البحري استُخدم لصناعة دبلوماسية منفتحة. ومن هنا نشأت الشخصية السياسية العُمانية الحالية، التي تتحلى بالحذر والتوازن والوساطة وتجنب الاستقطاب وعدم الارتهان الكامل لمحاور المنطقة.
ثامنًا: الروابط العضوية التي صنعت عُمان اليوم
يمكن تلخيص
اقتصاد
سياسة
اقتصاد
سياسة