يوم الشباب العُماني: تمكين الطاقات وصناعة المستقبل التنموي


هذا الخبر بعنوان "الشباب العُماني وصناعة الفرص | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يمثل يوم الشباب العُماني مناسبة وطنية محورية لتجديد الاهتمام بطموحات الشباب، وتعزيز دورهم الحيوي في مسيرة التنمية الوطنية، والتفكير العميق في السبل الكفيلة بتحويل معارفهم وقدراتهم إلى إسهامات عملية وملموسة. وتزداد قيمة هذه المناسبة الوطنية حين تقترن بتلمس احتياجات الشباب الحقيقية، وتقييم فرص التأهيل والمشاركة المتاحة لهم، وتطوير الآليات المؤسسية التي تمكنهم من بناء مستقبلهم المهني والمساهمة بفعالية في خدمة الوطن.
إن صناعة الفرص، كما هو معلوم، تقوم على منظومة مترابطة ومتكاملة من العوامل الأساسية، تشمل: التعليم والتدريب المتخصص، والتوجيه المهني السليم، وتوفير بيئة عمل محفزة، ودعم المبادرات الشبابية. وتتطلب فاعلية هذه المنظومة تكاملًا حقيقيًا بين كل من: المؤسسات الحكومية، والقطاع الخاص، والمؤسسات التعليمية والتدريبية، مع ضرورة وضوح أدوار ومسؤوليات كل جهة. وفي الوقت ذاته، تتطلب هذه الصناعة مبادرة من الشباب أنفسهم لتطوير قدراتهم باستمرار، والاستفادة القصوى من الفرص المتاحة، وتحمل مسؤولية اختياراتهم المهنية.
أولاً: تأهيل الشباب لمتطلبات العمل المتغيرة
مما لا شك فيه أن إعداد الشباب لسوق العمل يتطلب الجمع بين المعرفة التخصصية الدقيقة والمهارات التطبيقية العملية والسلوك المهني الرفيع. فالمؤهل العلمي الأكاديمي يشكل أساسًا مهمًا، ولكنه لا يكفي وحده للمنافسة الفعالة في سوق العمل المعاصر. بل يحتاج الشباب إلى العديد من المهارات المساندة الحيوية كالقدرة على التواصل الفعال، والعمل ضمن فريق، وحل المشكلات المعقدة، واستخدام الأدوات الرقمية ذات الصلة بالمهنة. ويكتمل هذا الإعداد بالوعي الكامل بالحقوق والواجبات، واحترام أخلاقيات العمل، والاستعداد الدائم للتعلم المستمر. ويأتي هنا الدور المحوري للأكاديميات والمعاهد التدريبية في سد الفجوة القائمة بين التعليم الأكاديمي المعتمد على المعرفة النظرية والتهيئة العملية لسوق العمل. وذلك من خلال بناء البرامج التدريبية على احتياجات سوق العمل المحددة، وربط محتواها بمهام ومواقف تعكس واقع الممارسة المهنية. وتظهر قيمة التدريب الحقيقية في قدرة المشارك على توظيف ما تعلمه في أداء عمل جديد، أو معالجة مشكلة قائمة، أو تحسين إجراءات عمل حالية. ولذلك، فإن تقييم البرامج التدريبية يستلزم النظر إلى المهارات المكتسبة ومدى تطبيقها العملي، إلى جانب قياس رضا المشاركين عن تجربة التدريب. وبطبيعة الحال، يؤدي التوجيه المهني دورًا مكملًا أساسيًا في مساعدة الشباب على فهم قدراتهم وميولهم الشخصية، والتعرف إلى الخيارات المهنية المتاحة، ومتطلبات كل مسار وظيفي. كما يتيح التواصل المباشر مع المختصين وأصحاب العمل تكوين تصور واقعي ودقيق عن المهن المختلفة، ويساعد على اتخاذ قرارات أكثر وعيًا وتبصرًا بشأن التخصص الدراسي والتدريب المهني والتقدم إلى فرص العمل المتاحة.
ثانيًا: تهيئة البيئة المؤسسية لصناعة الفرص
لا جرم أنَّ الاستفادة المثلى من التأهيل المهني تتطلب وجود فرص حقيقية تتيح للشباب تطبيق معارفهم المكتسبة وإظهار كفاءاتهم. ويمكن تعزيز ذلك من خلال شراكات استراتيجية واضحة بين المؤسسات التعليمية والتدريبية وجهات العمل المختلفة، تُحدَّد فيها الاحتياجات والأدوار والنتائج المتوقعة بدقة، وتُراجع مخرجاتها بصورة دورية لضمان فعاليتها. وتحقيقًا للوصول إلى الهدف المنشود، يجب أن تشمل هذه الشراكات التدريب الميداني المنظم، والمشروعات التطبيقية الهادفة، والإرشاد المهني المستمر، وإتاحة فرص للتعرف عن قرب إلى بيئات العمل ومتطلباتها. ولكي تحقق هذه المسارات غاياتها المرجوة، ينبغي أن تتضمن مهامًا مُحددة بوضوح، وإشرافًا مهنيًا فعالًا، وآليات واضحة لتقييم التعلم المكتسب، مع وضوح طبيعة العلاقة وحقوق المشاركين والتزاماتهم وفق الأطر المنظمة لها. ويستدعي دعم المبادرات الشبابية وريادة الأعمال مراعاة طبيعة كل مشروع ومرحلته وقدرات صاحبه؛ فالإرشاد في دراسة السوق، والتخطيط المالي السليم، والتسويق الفعال، وفهم الالتزامات القانونية والتنظيمية، كلها عوامل حاسمة تساعد على اتخاذ قرارات مدروسة ومستنيرة. بالإضافة إلى أهمية المحافظة على تنوع الخيارات المهنية المتاحة، وتقديم ريادة الأعمال بوصفها مسارًا يتطلب استعدادًا خاصًا وتأطيرًا تشاركيًا، دون إغفال اختلاف المقومات والتفاوت الطبيعي بين الأشخاص والمشروعات. وتأسيسًا على ذلك؛ تزداد فاعلية هذه الجهود المبذولة عندما تستند إلى معلومات موثوقة ودقيقة عن احتياجات جهات العمل الفعلية، وتستفيد من تجارب الشباب وملاحظاتهم القيمة. ويتيح ذلك مراجعة البرامج التدريبية وتوجيه الموارد المتاحة إلى تدخلات أكثر اتصالًا بالاحتياجات الفعلية لسوق العمل.
ثالثًا: تعزيز المشاركة الشبابية في التنمية وصنع الحلول
لا مندوحة أن المشاركة الشبابية الفعالة تسهم بشكل كبير في تحديد الاحتياجات المجتمعية، واقتراح الحلول المبتكرة، وتصميم المبادرات الهادفة، وتنفيذها، وتقييمها. وتوفر اللقاءات الحوارية البناءة مجالًا حيويًا للاستماع إلى تجارب الشباب وتطلعاتهم المستقبلية، وتتعزز فائدتها بوضوح أهدافها، وتوثيق مخرجاتها بدقة، وتحديد مسارات واضحة للتعامل معها. لذلك؛ يا حبذا أن يكون هناك فريق عمل مشترك يجمع بين وزارة العمل وبعض مؤسسات القطاع الخاص والأكاديمية والمعاهد التدريبية، لدراسة ترتيب المقترحات الشبابية وفق أهميتها وقابليتها للتنفيذ، وتحديد ما تستطيع الجهة المنظمة متابعته ضمن اختصاصاتها ومواردها المتاحة، وما يمكن عرضه على الجهات المختصة للنظر فيه عبر القنوات الرسمية المناسبة. ومن المُسلَّم به أنَّ مناقشة المقترحات أو رفعها لا تعني بالضرورة اعتمادها أو تنفيذها، وأن تنفيذها يرتبط بالاختصاص والإمكانات المتاحة والإجراءات المعمول بها. مما يؤدي وضوح هذه الرؤية إلى بناء الثقة بين الشباب والمؤسسات وإدارة التوقعات على أسس واقعية. وفي الوقت ذاته، تتعزز جودة المشاركة حين يقترن عرض التحديات التي تواجه الشباب بأفكار مدروسة، واستعداد للعمل الجماعي، وقبول النقد البناء والتقييم والتطوير المستمر. وتتيح المشروعات المجتمعية والتطوعية للشباب فرصة ممارسة هذه الأدوار الهامة، واكتساب الخبرة العملية، وتحويل أفكارهم إلى نتائج ملموسة يمكن ملاحظتها وتقييمها. وخلاصة القول.. إنَّ الاستثمار في الشباب يكتسب أثره الحقيقي حين يرتبط التأهيل بفرص التطبيق العملي، والمشاركة بآليات متابعة فعالة، والمبادرات بمقومات الاستمرار والنمو. فحين تتكامل جهود المؤسسات مع وعي الشباب ومبادرتهم، تتسع فرصهم في بناء مستقبل مهني مستقر ومزدهر، وتتعزز فاعليتهم ودورهم الحيوي في التنمية الوطنية الشاملة. وبغية تذليل الصعوبات وتسخير الإمكانات المتاحة للشباب، نوصي بدراسة المقترحات الآتية: تطوير برامج تأهيل تطبيقية تستند إلى احتياجات مهنية محددة، وتتضمن أدوات لقياس اكتساب المهارات ومدى تطبيقها بعد التدريب، وتعزيز خدمات التوجيه والإرشاد المهني بما يساعد الشباب على فهم المسارات المتاحة ومتطلباتها، واتخاذ قرارات تتناسب مع قدراتهم واهتماماتهم، وتوسيع الشراكات لإكساب الشباب الخبرة العملية من خلال برامج واضحة الأهداف والمهام والإشراف والتقييم، تراعي الأطر القانونية والتنظيمية ذات الصلة، ووضع آلية لمتابعة مخرجات اللقاءات الشبابية تتضمن توثيق المقترحات وترتيب أولوياتها، وتحديد مسؤولية المتابعة، وإطلاع المشاركين على ما يُتخذ بشأنها، وتوفير إرشاد متدرج لأصحاب المبادرات والمشروعات يشمل اختبار الجدوى والمتطلبات المالية والقانونية والتشغيلية، قبل التوسع في الالتزامات والنفقات. د. أحمد بن محمد الهنائي، دكتوراة في القانون الدستوري والعلوم السياسية.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد