كلمة


هذا الخبر بعنوان "الحُبّ في عصر الإمام محمد بن عبد الله الخليلي سنة 1366 | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُعدّ سلمى بنت سيف البطاشي، بكلمة واحدة في صفحات المخطوطات، مفتاحًا لاستحضار عصر كامل والتعمق في أحواله ورجالاته. فخلال تصفحي لأحد المخطوطات في مكتبة والدي، الشيخ القاضي المؤرخ سيف بن حمود البطاشي - رحمه الله -، لفتت انتباهي عبارة موجزة على صفحتها البيضاء، لم تتجاوز بضع كلمات، لكنها أشعلت في نفسي فضولًا لاستكشاف المرحلة التاريخية التي تشير إليها. كانت العبارة كالتالي: "سنة 1366 الحب في عصر الإمام محمد بن عبد الله الخليلي أبقاه الله، وعصر الشيخ الأمير عيسى بن صالح الحارثي أبقاه الله، وعصر السلطان سعيد بن تيمور أبقاه الله، وعصر الأمير علي بن عبدالله ولد حموده".
كلمة "الحب" هذه، التي تصدرت العبارة، تبعتها أسماء أربع شخصيات محورية في تاريخ عُمان: الإمام محمد بن عبد الله الخليلي، والسلطان سعيد بن تيمور، والأمير عيسى بن صالح الحارثي، والأمير علي بن عبد الله آل حموده. ومن هنا، انطلقت الفكرة: ما الذي يمكن أن نستشفه من هذه العبارة المختصرة؟ وما هي السمات المميزة للعصر الذي جمع هؤلاء الأعلام؟ وكيف لكلمة "الحب" أن تقودنا إلى فهم الوفاق الذي ساد علاقاتهم؟
لكل عصر رجاله الذين ترتبط أسماؤهم بأحداثه وتحولاته، وتتشكل صورته من خلال أدوارهم ومواقفهم. وعندما نقف أمام أسماء الشخصيات الأربع المذكورة، نجد أنفسنا أمام شخصيات متباينة في مواقعها ومسؤولياتها، اجتمعت في حقبة زمنية واحدة من تاريخ البلاد.
شهد عصره توقيع صلح السيب عام 1339هـ/ 1920م مع السلطان تيمور بن فيصل. تميزت إمامته بالبساطة في النظام، وكان يعتمد على المشورة قبل اتخاذ القرارات.
دفعت الظروف السياسية والاقتصادية الصعبة التي مرت بها عُمان في الفترة التي تلت ثورة الإمام عام 1913م، وحتى قبيل اتفاقية السيب، السلطان تيمور بن فيصل إلى الابتعاد تدريجيًا عن شؤون الحكم، وقضاء معظم وقته في الهند. تبع ذلك إعلان السلطان تيمور تنحيه عن الحكم نهائيًا لابنه الأكبر سعيد، الذي بلغ الحادية والعشرين من عمره. وبعد ثلاثة أشهر من تنحي والده، تولى السلطان سعيد مقاليد الحكم رسميًا في مسقط وعُمان في 2 شوال 1350هـ/ 10 فبراير 1932م. سعى السلطان سعيد إلى توحيد عُمان واستعادة المناطق العُمانية التي كانت تحت نفوذ الإمامة، وأقام علاقات صداقة مع زعماء القبائل العُمانية، داعيًا إياهم لزيارته في مسقط، وقد لبى الكثيرون هذه الدعوة. كما عامل السلطان سعيد الإمام محمد بن عبد الله الخليلي باحترام وتقدير.
لعب دورًا بارزًا في عهد الإمام محمد بن عبد الله الخليلي، وكان من أبرز إنجازاته توقيع اتفاقية السيب نيابة عن الإمام، بهدف تحقيق الاستقرار والتفاهم بين شطري عُمان: الداخل الخاضع لحكم الإمامة، والساحل الذي يحكمه السلطان.
اشتهر الأمير علي بن عبد الله بولائه التام للسلطان سعيد بن تيمور. واجه تحديًا كبيرًا عند توليه الحكم تمثل في قضية المحاولة الانفصالية لبني بوعلي، الذين رفضوا بناء مركز جمركي في خور البطح بصور. انتهت الأزمة بسلام بعد تهديدات بقصف قلعتي آل حموده بالطائرات والسفن الحربية البريطانية. بعد هذه الحادثة، سادت علاقة من المودة والوفاء، حيث استضاف السلطان سعيد الشيخ علي في مسقط، وقام الشيخ علي بزيارة السلطان في عام 1938م، حيث أهداه السلطان هدايا قيمة.
مع ظهور النفط في الخليج العربي، برزت الحاجة الملحة للتنقيب عن المعادن. ونظرًا لأن الأراضي المعنية كانت تحت نفوذ الإمام محمد بن عبد الله الخليلي، خطط السلطان سعيد لكسب ولاءات شيوخ القبائل. في عام 1939م، اتفق السلطان مع شركة أمريكية للتنقيب عن المعادن في مرباط، وفوض السيد سعود بن علي والشيخ علي بن عبد الله آل حموده لإقناع الشيخ سليمان بن حمير النبهاني بالتعاون وعدم التعرض للشركة، نظرًا لتأثيرهما على قبائل الجنبة والدروع في منطقة الامتياز.
في عام 1940م، اندلعت حرب الرواف بين بني بو علي وبني بو حسن بسبب مقتل القاضي عبد الله بن أحمد الرواف، واستمرت أربع سنوات، وانتهت بصلح الإمام في 1363هـ/ 1944م. في أبريل، زار السلطان صور تلبية لدعوة الشيخ علي، وحضر الشيخ سليمان النهاني هذه الزيارة. وفي أكتوبر 1946م، دعا السلطان سعيد بن تيمور الشيخين عيسى بن صالح الحارثي والشيخ علي بن عبد الله آل حموده لزيارته في مسقط لحل مشكلة وادي بني خالد، وقد لاقت الدعوة قبولًا وأدت إلى استقرار الأوضاع في المنطقة.
إن استحضار هذا الجانب من تاريخ عُمان ليس مجرد عودة إلى الماضي، بل هو تذكير بأهمية التفاهم والتعاون في حياة المجتمعات. فالأوطان لا تضمن استقرارها بإنجازاتها فحسب، بل بما يسود بين أبنائها من احترام متبادل وتعاون وحرص على المصلحة العامة. نسأل الله أن يحفظ عُمان وأهلها، ويديم عليها الأمن والأمان، ويعزز المودة والوحدة بين الجميع، ويزيدها استقرارًا ورخاءً.
سياسة
عاجل
تكنولوجيا
سياسة