الاستثمار الأجنبي: كيف نحوله من مجرد أرقام إلى فرص حقيقية للمواطنين؟


هذا الخبر بعنوان "الاستثمار الأجنبي.. ماذا يريد الاقتصاد منه؟ | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
قد تنجح دولة ما في جذب استثمارات أجنبية ضخمة، لكن يبقى السؤال المحيّر: أين الفرص الموعودة للمواطنين؟ ترتفع الأرقام، بينما لا يجد أصحاب المؤسسات الصغيرة عقودًا جديدة، ولا يجد الخريجون وظائف تناسب مؤهلاتهم، ولا يشعر المستهلك بتحسن في الأسعار أو الخدمات. هذا لا يعني أن الاستثمار الأجنبي بلا فائدة، بل يكشف أن تدفق الأموال وتحسن حياة الناس لا يسيران تلقائيًا معًا، وأن الربط بينهما يتطلب جهدًا يتجاوز مجرد توقيع الاتفاقيات.
تبدأ المشكلة عندما يصبح الاستثمار الأجنبي غاية بحد ذاته، ويُقاس النجاح بحجم ما تم استقطابه منه. في هذه الحالة، قد تُمنح الأراضي، وتُجهز البنية التحتية، وتُقدم الحوافز، ويُعتبر دخول المستثمر نهاية المطاف. لكن السؤال الجوهري الذي يبرر كل ذلك لم يُحسم بعد: ماذا سيضيف هذا الاستثمار، ولمن، وبأي تكلفة؟ المستثمر يعرف ما يريده، فهل يعرف صانع السياسة الاقتصادية ما يريده منه؟
يأتي المستثمر باحثًا عن عائد، وهذا حقه. قد تجذبه الموارد الطبيعية، أو الموقع الجغرافي، أو سوق مستقرة، أو طاقة بأسعار تنافسية. وليس مطلوبًا منه أن يضع أولويات التنمية نيابة عن البلد المضيف؛ فتلك مسؤولية من يضع السياسة الاستثمارية، وينظم السوق، ويحدد ما يستحق الدعم. أما السياسة التي تبدأ بسؤال «كيف نجذب المستثمر؟» قبل سؤال «ما الذي نحتاج إلى بنائه؟»، فقد تجعل جاذبية المشروع للمستثمر بديلاً عن تقييم أهميته للاقتصاد. ومع مرور الوقت، قد تجد الدولة نفسها تعدل خططها لتناسب المشروعات المعروضة، بدلاً من البحث عن المشروعات التي تخدم خططها.
تخيل مشروعين، يستثمر كل منهما 100 مليون ريال. المشروع الأول يستورد معظم احتياجاته، ويعتمد على شبكته الخارجية في الخبرات الفنية والإدارية الأساسية. أما المشروع الثاني، فيطور موردين محليين، ويدرب كوادر تتدرج إلى مواقع المسؤولية، ويربط إنتاجه بأسواق جديدة. كلاهما يضيف نشاطًا اقتصاديًا، لكن الرقم المتساوي يخفي أثرين مختلفين. فقد يوفر الأول أجورًا وخدمات وإيرادات مهمة، بينما يضيف الثاني قدرات لدى مؤسسات وعاملين تمتد فائدتها إلى مشروعات أخرى. هذا يؤكد أن قيمة الاستثمار لا تقتصر على ما ينتجه بنفسه، بل قد تمتد إلى ما يجعل الآخرين قادرين على إنتاجه.
لا يُطلب من كل مشروع أن يصنع كل شيء محليًا، أو يؤدي جميع وظائف التنمية؛ فبعض الأنشطة كثيفة رأس المال، وبعضها محدود الوظائف بطبيعته، وبعض مدخلاته لا يتوفر محليًا بكلفة وجودة مناسبتين. المطلوب هو معرفة سبب الحاجة إليه، وألا تُنسب إليه وعود لا تسمح بها طبيعته. وللانتقال من الاحتفاء بحجم الاستثمار إلى فهم قيمته، تبرز أربعة أسئلة رئيسية:
من الأسئلة إلى قواعد القرار:
تصبح هذه الأسئلة مؤثرة حين تدخل في طريقة اتخاذ القرار؛ فقبل منح حوافز كبيرة، يُعد تقييم يحدد الحاجة التي يخدمها المشروع، ومنافعه الإضافية المتوقعة، وكلفة دعمه، وأثره المحتمل في المنافسة. يستند التقييم إلى افتراضات معلنة وقابلة للمراجعة، لا إلى وعود المستثمر وحدها. ثم تُختار مؤشرات قليلة تناسب طبيعة المشروع: صادرات إضافية، أو وظائف نوعية، أو تأهيل موردين، أو تحسن في خدمة يحتاجها الاقتصاد. وتُراجع النتائج بعد التشغيل في مواعيد محددة، مع مراعاة فترة نضج المشروع والظروف التي تؤثر فيه. وحيث يكون الدعم مرحليًا، يمكن ربط صرف مراحله بتحقق نتائج متفق عليها مسبقًا. بذلك يعرف المستثمر التزاماته منذ البداية، وتعرف الجهة المانحة ما تتوقعه مقابل دعمها، دون تغيير الشروط بعد أن يلتزم بأمواله؛ فالاستقرار الذي يحتاج إليه المستثمر يتوافق مع المساءلة التي يحتاج إليها الاقتصاد، متى كانت القواعد واضحة منذ البداية.
يمثل الاستثمار الأجنبي فرصة مهمة، ونجاح المستثمر واستمراره ضروريان لتحقيق المنافع المرجوة منه. لكن الحرص على استقطابه يجعل وضوح غايته أكثر إلحاحًا. وبعد سنوات، ينبغي أن يتجاوز التقييم سؤال «كم دخل؟» إلى سؤال «ماذا تغير؟»: هل اكتسبت المؤسسات المحلية قدرات جديدة، وأصبح العاملون أكثر مهارة، والخدمات أفضل، والسوق أكثر انفتاحًا على المنافسة؟ الاحتفاء بالمشروع لحظة وصوله أمر مفهوم، لكن الحكم على نجاحه التنموي يبدأ بما يحدث بعد ذلك؛ إذ إن نجاح الاستقطاب أن يختار المستثمر البلد، ونجاح التنمية أن يوسع استثماره خيارات الناس فيه.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد