مفاوضات واشنطن وطهران: عقدة تتشابك فيها الملفات النووية والأمنية والاقتصادية


هذا الخبر بعنوان "عقدة المفاوضات بين واشنطن وطهران | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ أكتوبر ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تعد المفاوضات بين واشنطن وطهران تقتصر على البرنامج النووي الإيراني فحسب، بل تطورت إلى مسار معقد يجمع بين الحرب، والعقوبات، وقضية النفط، وحرية الملاحة في مضيق هرمز، والأموال الإيرانية المجمدة. وفي ظل محاولات الوساطات الإقليمية، خاصة القطرية، للحفاظ على قنوات الاتصال مفتوحة، يظل الخلاف الجوهري حول طبيعة التنازلات وترتيبها: ما الذي ستقدمه إيران أولاً؟ وماذا ستقدم الولايات المتحدة في المقابل؟ والأهم، كيف يمكن ضمان تنفيذ الخطوات المتفق عليها لتجنب أي تنازل أحادي الجانب؟
في مبادرة دبلوماسية حديثة، طرحت طهران خطة تتضمن خطوات متتابعة لإنهاء الأعمال القتالية، ورفع القيود المفروضة عليها، والإفراج عن أموالها المجمدة، مقابل إعادة فتح مضيق هرمز والانتقال إلى مفاوضات أوسع. ووفقًا لرويترز، تلقت طهران ردًا أمريكيًا عبر وسطاء قطريين، لكن الخلاف حول تسلسل تنفيذ الخطوات ظل أحد أبرز المعوقات أمام التوصل إلى تفاهم.
يُعد مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم، ورقة تفاوضية حاسمة في ظل المواجهة الحالية، متجاوزًا مجرد مسألة الملاحة. بالنسبة لطهران، يرتبط فتح المضيق بتنفيذ شروط تتعلق بإنهاء الأعمال القتالية وتخفيف الضغوط الاقتصادية. بينما تعتبر واشنطن حرية الملاحة وإعادة حركة السفن والطاقة جزءًا أساسيًا من أي تسوية محتملة. وتشير التطورات الأخيرة إلى سعي إيران للحفاظ على نفوذها في طرق العبور، في وقت تواجه فيه الناقلات مخاطر متزايدة، حيث سجل الأسبوع الماضي أعلى مستوى من الهجمات على ناقلات النفط منذ بدء الحرب. وقد حذرت مصادر إقليمية من أن طهران قد تعرقل طرقًا جديدة تعتبرها غير مصرح بها. ورغم ذلك، لم تتوقف حركة الملاحة بالكامل، لكنها تراجعت مجددًا مع تصاعد الهجمات، مما يجعل هرمز ورقة ضغط مباشرة ويزيد من صعوبة التوصل إلى ترتيبات مستقرة. تكمن إحدى العقد الأساسية في المفاوضات في أن إيران تريد ضمانات قبل تقديم تنازلات، بينما تريد الولايات المتحدة خطوات إيرانية ملموسة أولاً.
تمثل الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج ورقة تفاوضية أخرى، حيث تطالب طهران بالإفراج عن جزء من هذه الأصول كعنصر لتخفيف الضغوط الاقتصادية. وقد ظهرت هذه القضية في جولات تفاوضية سابقة، وتناولت المحادثات الأمريكية الإيرانية آليات الإفراج عن الأموال بالتوازي مع ملف الملاحة في مضيق هرمز. لا يتعلق الأمر بحجم الأموال فحسب، بل بشروط الإفراج عنها، وتوقيتها، وآليتها، والجهات المخولة بالوصول إليها. لذا، فإن تحويل هذه الأموال إلى جزء من اتفاق سياسي يتطلب ترتيبات واضحة تضمن تنفيذ الالتزامات المتبادلة. بالنسبة لواشنطن، لا يبدو تخفيف العقوبات أو الإفراج عن الأصول منفصلاً عن الملفات الأخرى، خاصة الملف النووي. وفي المقابل، لا تزال أدوات الضغط الاقتصادي حاضرة، فقد أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية في 8 أكتوبر فرض عقوبات جديدة على أفراد وشبكات و17 سفينة مرتبطة بنقل النفط والمنتجات النفطية الإيرانية، مما يعكس مفارقة واضحة: الاتصالات الدبلوماسية مستمرة، لكن الضغط الاقتصادي لم يتوقف.
رغم تصدر هرمز والعقوبات والأموال المجمدة للمشهد الحالي، يظل البرنامج النووي الإيراني أحد الملفات الرئيسة في أي اتفاق طويل الأمد. تريد الولايات المتحدة إدراج الملف النووي ضمن تسوية أوسع تشمل آليات للتحقق والرقابة على البرنامج الإيراني. في المقابل، ركزت طهران في مبادرتها الأخيرة على إنهاء المواجهة، وإعادة فتح المضيق، وتخفيف الضغوط قبل الانتقال إلى مفاوضات أوسع. هذا الاختلاف لا يتعلق بمضمون الاتفاق فحسب، بل بتوقيت مناقشة كل ملف؛ فواشنطن تريد أن يكون الملف النووي جزءًا من أي تسوية شاملة، بينما تدفع طهران باتجاه خطوات أولية تعيد الوضع إلى مسار أكثر هدوءًا قبل الدخول في مفاوضات أوسع. وتزداد أهمية هذا الملف مع بقاء مسألة التفتيش والرقابة وآليات التحقق من الالتزامات النووية من القضايا التي تحتاج إلى ترتيبات دقيقة، مما يجعل الاتفاق المحتمل أكثر تعقيدًا من مجرد تفاهم سياسي مؤقت.
إلى جانب هرمز والملف النووي، تشكل العقوبات والقيود على صادرات النفط إحدى أهم أدوات الضغط في المواجهة. يتأثر الاقتصاد الإيراني باستمرار القيود المفروضة على التجارة والطاقة، بينما تنعكس اضطرابات حركة النفط عبر هرمز على الأسواق العالمية. ومع تراجع حركة العبور مجددًا، ارتفعت أسعار النفط، وتجاوز خام برنت 105 دولارات للبرميل خلال تداولات 8 أكتوبر قبل أن يتراجع جزئيًا. وبذلك يصبح النفط جزءًا من المعادلة التفاوضية من جهتين: فهو مصدر رئيس للضغط على الاقتصاد الإيراني، وفي الوقت نفسه يمثل أحد أبرز دوافع المجتمع الدولي لإعادة حركة الملاحة والطاقة إلى مسارها الطبيعي. هنا تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الملفات السياسية والأمنية، بحيث يصعب فصل العقوبات عن هرمز أو النفط عن المفاوضات النووية.
رغم تعثر التوصل إلى اتفاق نهائي، لم تُغلق قنوات الاتصال بين واشنطن وطهران. وفي أحدث تطور، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 8 أكتوبر إن الولايات المتحدة تجري مناقشات مثمرة مع إيران وأعلن أنها لن تستأنف الهجمات على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر. لكن المسار الدبلوماسي لا يجري في فراغ، فالتوتر حول مضيق هرمز تصاعد بالتزامن مع استمرار المفاوضات، وسجلت المنطقة خلال الأيام الأخيرة هجمات متزايدة على ناقلات النفط، ما أدى إلى تراجع حركة الملاحة وارتفاع المخاوف بشأن إمدادات الطاقة. وتكشف هذه التطورات عن مفارقة أساسية في المشهد الحالي: المفاوضات مستمرة، لكن أدوات الضغط لم تتوقف.
المشكلة لم تعد في وجود قنوات اتصال بين واشنطن وطهران؛ فالوساطات لا تزال تعمل على إبقاء المفاوضات غير المباشرة قائمة، ولا سيما عبر قطر. لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الاتصالات إلى اتفاق قابل للتنفيذ. فكل طرف يريد ضمانات تمنعه من تقديم تنازل ثم اكتشاف أن الطرف الآخر لم ينفذ التزاماته. ولهذا تبدو المفاوضات أمام شبكة من الملفات المترابطة: مضيق هرمز، العقوبات، النفط، الأموال المجمدة، والبرنامج النووي. وأي تسوية لن تكون سهلة ما لم تتفق واشنطن وطهران على آلية واضحة تحدد الخطوات المتبادلة، وتوقيت تنفيذها، والضمانات التي تمنع انهيار الاتفاق لاحقًا. وفي ظل استمرار الوساطات، يبقى الاختبار الحقيقي في قدرة الطرفين على تحويل أوراق الضغط إلى خطوات متبادلة تفتح الطريق أمام اتفاق أوسع. فالعقدة لم تعد في الوصول إلى طاولة التفاوض، بل في كيفية مغادرتها باتفاق يستطيع كل طرف الالتزام به من دون أن يرى فيه تنازلًا أحاديًا.
هدى علي
باحثة لبنانية في مركز الدراسات الآسيوية والصينية – بيروت
يُنشر بالتعاون مع مركز الدراسات الآسيوية والصينية - لبنان
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة