عُمان
منوعات

ظاهرة «هذه آخر مرة»: لماذا نتراجع عن قراراتنا الحاسمة؟

الرؤية٢٦ أغسطس ٢٠٢٦ في ١١:٤٢ ص0 مشاهدة
ظاهرة «هذه آخر مرة»: لماذا نتراجع عن قراراتنا الحاسمة؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "آخر مرة | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ أغسطس ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لديّ تاريخ طويل من الأشياء التي فعلتها «للمرة الأخيرة» أكثر من مرة؛ مثل آخر مرة أسهر فيها حتى الثالثة صباحًا، أو أطلب طعامًا بكميات كبيرة تحت تأثير نوبة جوع، أو أشتري شيئًا فقط لأن عليه تخفيضات، أو أدخل في نقاش أعرف مسبقًا أنه لن يصل إلى مكان، وأخيرًا آخر مرة أعطي شخصًا فرصة إضافية. والغريب أنني في كل مرة أقول فيها هذه العبارة أكون صادقة تمامًا وبالثقة نفسها التي يعلن بها متحدث رسمي قرارًا سياديًا، ثم أتراجع عنه بعد ساعات، مما جعلني أشك في قراراتي وأدرك أن عبارة «هذه آخر مرة» تعني أحيانًا فقط: «أنا منزعجة جدًا الآن، وسنراجع الموضوع بعد أن أهدأ».

خذوا الطعام مثلًا؛ فبعد وجبة ضخمة أصل إلى مرحلة من الشبع تجعلني أقول بحزم إن العلاقة بالطعام اللذيذ غير الصحي قد انتهت، لكنها في الحقيقة ليست سوى شعور بالتخمة، وما إن تستعيد معدتي قدرتها على استقبال المفاوضات حتى تبدأ في مراجعة بنود الاتفاقية من جديد. وينطبق الأمر نفسه على التسوق؛ إذ أدخل متجرًا لشراء غرض واحد وأخرج بثلاثة أكياس، ثم أعلن بصدق تام أنني لن أشتري شيئًا لا أحتاجه لمجرد وجود خصم، إلى أن يأتي الخصم التالي ليتحول دماغي إلى إنسان مسؤول يحاول إنقاذ المال من الضياع فنشتري القطعة.

أما النوم فله قصة أخرى؛ إذ أقرر كل ليلة أن أصبح ممن ينامون باكرًا ويستيقظون بنشاط، وأضبط المنبه وأضع الهاتف بعيدًا، لكن مجرد قول جملة «سأشاهد شيئًا صغيرًا قبل النوم» يدمر الخطط لأجد نفسي أتابع مقاطع عشوائية لامرأة أعادت ترتيب مطبخها في كندا دون سبب واضح. لكن أخطر أنواع «آخر مرة» هي التي نطلقها ونحن مجروحون وفي لحظات الغضب حين نحذف المحادثة ونستعيد كرامتنا، لنستيقظ في الصباح ونعثر على محامي الدفاع الداخلي الذي يلتمس الأعذار ويحول الحكم النهائي إلى «لن أفعل شيئًا.. سأرى ماذا سيحدث».

وهذا يوضح أن المشكلة ليست في ضعف الإرادة، بل في أن كثيرًا مما نسميه قرارات ليس سوى رد فعل يرتدي بدلة رسمية يعكس رؤية الشخص من داخل حالته الشعورية وقت الغضب أو الحماس. فالقرار الحقيقي يحتاج إلى سبب يبقى منطقيًا بعد هدوء الشعور، وإلى استعداد لتحمل تكلفته وثمنه، وأيضًا إلى خطة تحميه من النسخة المستقبلية المتعبة أو الجائعة أو الواقفة أمام لافتات التخفيضات. لهذا أصبحت أقل اندفاعًا في إعلان هذه العبارة وأترك الأمور حتى يهدأ غضبي ويخف حماسي، فإذا وجدتها في الصباح ما تزال منطقية ومستعدة لتحمل ثمنها فعندها ربما تكون فعلًا آخر مرة.

شارك الخبر: