عُمان
منوعات

من يتحكم في وعي المجتمع؟ الخوارزميات أم الأولويات الوطنية؟

الرؤية٤ نوفمبر ٢٠٢٦ في ٠٤:٠٢ م0 مشاهدة
من يتحكم في وعي المجتمع؟ الخوارزميات أم الأولويات الوطنية؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "من يُشكِّل وعي المجتمع؟ | جريدة الرؤية العمانية" نشر أولاً على موقع الرؤية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ نوفمبر ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في عصرنا الرقمي، يبرز تساؤل جوهري حول الجهة التي تشكل وعي المجتمع وتحدد أولوياته. فبينما تستحوذ قضايا تبدو تافهة وسطحية على اهتمام واسع ونقاشات ممتدة، تتراجع القضايا المصيرية والوطنية الهامة. لم تعد المجالس والمقاهي ووسائل الإعلام التقليدية هي المصادر الوحيدة لتشكيل الوعي؛ فقد أصبحت منصات التواصل الاجتماعي لاعباً مؤثراً، حيث تعمل خوارزميات دقيقة على ترتيب المحتوى ودفع بعض الموضوعات إلى الواجهة بناءً على مؤشرات التفاعل، بغض النظر عن قيمتها الحقيقية.

لم تعد المنصات الرقمية مجرد نوافذ للعالم، بل أدوات تشكل رؤيتنا وتؤثر في اهتماماتنا. هنا يبرز السؤال: هل ما زلنا قادرين على اختيار أولوياتنا بوعي، أم أن ضجيج الخوارزميات هو ما يحدد ما يشغل عقولنا؟ إن صناعة النجومية الزائفة أصبحت جزءاً من اقتصاد رقمي يستثمر انتباه المستخدمين، وتلعب الخوارزميات دوراً محورياً في ذلك، حيث تعطي الأولوية للمحتوى الذي يحقق أعلى معدلات تفاعل، حتى لو كان مستفزاً أو مثيراً للجدل، بينما تتراجع المحتويات العلمية أو المبادرات المجتمعية القيمة.

تكرار ظهور قضية معينة يجعلها أكثر حضوراً في الأذهان، وقد يوحي بأنها تمثل الأولوية الأولى للمجتمع، حتى لو لم تكن كذلك. في المقابل، قد تتراجع قضايا التعليم والعمل والاقتصاد والهوية الوطنية عن واجهة الاهتمام لعدم قدرتها على منافسة المحتوى المثير. هنا تنتقل سلطة الخوارزميات من ترتيب المنشورات إلى التأثير في ترتيب الأولويات، ومن جذب الانتباه إلى الإسهام في تشكيل الرأي العام.

تزداد خطورة الأمر عندما تتحول أرقام الانتشار إلى مصدر للشرعية والتأثير، فيُعامل صاحب المتابعين الكثر كمرجع، ويُمنح صانع الجدل مساحة للتأثير بغض النظر عن مؤهلاته. كما أن غرف الصدى تعزز الانغلاق الفكري والاستقطاب. لا يمكن تحميل الخوارزميات وحدها المسؤولية؛ فالجمهور شريك في صناعة الرأي العام الرقمي، فالتفاعل السلبي قد يوسع انتشار المحتوى الذي ينتقده أصحابه.

في سلطنة عُمان، تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في سياق بناء مجتمع معرفي ينسجم مع مستهدفات رؤية عُمان 2040. إن ترك النقاش العام رهينة الإثارة ومؤشرات التفاعل الرقمي يفتح الباب أمام فوضى في ترتيب الأولويات، لتتصدر الخلافات العابرة المشهد على حساب القضايا الوطنية والتنموية. تتطلب المعالجة بناء منظومة وطنية لرفع جودة النقاش العام، تشمل تطوير مؤشر دوري لرصد المحتوى الرقمي، وتعزيز الشفافية بشأن معايير الخوارزميات، ومضاعفة منصات التحقق من المعلومات، وإتاحة مساحات عرض للقضايا الوطنية والمعرفية.

إن صناعة الرأي العام لم تعد مسؤولية وسائل الإعلام وحدها، بل هي نتيجة تفاعل معقد بين المنصات، وخوارزمياتها، وصناع المحتوى، والجمهور. حماية الوعي المجتمعي لا تعني فرض ما ينبغي للناس التفكير فيه، بل ضمان قدرتهم على الاختيار والمقارنة والتحقق. وحين تتحكم الخوارزميات فيما نراه، ويتحكم التفاعل فيما ينتشر، قد نجد أنفسنا أمام رأي عام خادع لا يعكس أولويات المجتمع، بل أولويات اقتصاد الانتباه والإثارة. والوطن الذي يريد أن يصنع مستقبله بالمعرفة، لا ينبغي أن يترك صناعة وعيه رهينة لمن يملك مفاتيح الانتشار.

شارك الخبر: